ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

قوله : مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا لما بين كمال القدرة ذكر بيان نفوذ المشيئة ونفاذ الأمر وقال : مَّا يَفْتَحِ الله يعني١ إن رحم الله فلا مانع له وإن لم يرحم فلا باعثَ له عليها. وفي الآية دليل على سبق الرحمة الغضب٢ من وجوه :
أحدها : التقديم حيث قدم بيان فتح أبواب الرحمة في الذكر.
وثانيها : أنه أنّث الكناية فقال : فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا » ويجوز من حيث العربية أن يقال :«لَهُ » عَوْداً إلى «ما » ولكن قال الله تعالى ذلك ليعلم أن المفتوح أبواب الرحمة فهي واصلة إلى من رَحِمَتُهُ وقال عند الإمساك :«وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ » بالتذكير ولم يقل «لها » فلم يصرح بأنه لا مرسل للرحمة بل ذكره بلفظ يحتمل أن يكون الذي يرسل هو غير الرحمة، فإن قوله ( تعالى )٣ وَمَا يُمْسِكْ عامٌّ من غير بيانٍ وتخصيص.
وثالثها : قوله من بعْدِه أي من بعد الله فاستثنى ههنا وقال :«لاَ مُرْسِلَ لَهُ إلاَّ اللَّهُ » وعند الإمساك قال : لاَ مُمْسِكَ لَهَا «ولم يقل غير الله لأن الرحمة إذا جاءت لا ترتفع فإن من رَحِمَهُ الله في الآخرة لا يعذبه بعدها هو ولا غيره ومن يعذبه الله قد يرحمه الله بعد العذاب كالفساق من أهل الإيمان٤.
قوله : مِنْ رَحْمَةٍ تبيين٥ أو حال من٦ اسم الشرط ولا يكون صفة ل » ما «لأن اسم الشرط لا يوصف٧ قال الزمخشري : وتنكير الرحمة للإشاعة والإبهام كأنه قيل : أيّ رحمةٍ كانت سماويةً أو أرضية ؟٨ قال أبو حيان : والعموم مفهوم من اسم الشرط و » من رحمة «بيان لذلك العام من أي صنف هو وهو مما اجْتُزِئَ فيه بالنكرة المفردة عن الجمع المعرف المطابق في العموم لاسم الشرط وتقديره من الرحمات. و » من «في موضع الحال. انتهى٩.
قوله وَمَا يُمْسِكْ يجوز أن يكون على عمومه أيْ أيّ شيء أمْسَكَه١٠ من رحمة أو غيرها.
فعلى هذا التذكير في قوله له ظاهر لأنه عائد على «ما يمسك » ويجوز أن يكون قد حذف المبيَّن من الثاني لدلالة الأول عليه تقديره وما يمسك من رحمة فعلى هذا التذكير في قوله :«له » على لفظ «ما » وفي قوله أولاً : فلا ممسك لها التأنيث فيه حمل على معنى «ما » لأن المراد به الرحمة فحمل أولاً على المعنى وفي الثاني على اللفظ١١. والفَتْحُ والإمساك استعارة حسنة١٢ «وَهُوَ العَزِيزُ » فيما أمسك أي كامل القدرة «الحَكِيمُ » فيما أرسل أي كامل العلم. قال - عليه ( الصلاة١٣ و ) السلام «الّلَهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا منعت وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجدّ مِنْكَ الجِدُّ »١٤.

١ في ((ب)) بمعنى..
٢ في ((ب)) سبق رحمته غضبه..
٣ زيادة من ((أ))..
٤ وانظر في هذا كله تفسير الفخر الرازي ٢٦/٣ و٤..
٥ قاله العكبري في التبيان ١٠٧٢..
٦ البحر المحيط ٧/٢٩٩..
٧ السابق..
٨ انظر: الكشاف..
٩ البحر المحيط ٧/٢٩٩..
١٠ في ((ب)): يمسكه بالمضارعة..
١١ انظر معاني الفراء ٢/٣٦٦ ومعاني الزجاج ٤/٢٦٢ والبحر ٧/٢٩٩..
١٢ البحر والكشاف المرجعان السابقان..
١٣ زيادة من ((ب))..
١٤ الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ قدر برقم ٨ ومسند الإمام أحمد ٣/٨٧ و٤/٩٣ و ٩٥ و٩٧ و٢٤٥ و٢٤٧ و٢٥٠ و٢٥٤ و٢٥٥ و٢٨٧..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية