( وما يستوي الأعمى والبصير١٩ ولا الظلمات ولا النور٢٠ ولا الظل ولا الحرور٢١ وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور٢٢ إن أنت إلا نذير٢٣ إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير٢٤ وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير٢٥ ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير( ( فاطر : ١٩-٢٦ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه طريق الهدى وطريق الضلالة وذكر أن المستعد للإيمان قد اهتدى بهدى النذير والجاحد المعاند قسا قلبه ولم يستفد من هديه- ضرب مثلا به تنجلي حاليهماّ، ثم ذكر أن الهداية بيد الله يمنحها من يشاء، وأن هؤلاء المشركين كالموتى لا يسمعون نصيحة ولا يهتدون بعظة، وأن الله لم يترك أمة سدى، بل أرسل الرسل، فمنهم من أجاب دعوة الداعي ونجا، ومنهم من استكبر وعصى، وكانت عاقبته الوبال والنكال في الدنيا والنار في العقبى.
الإيضاح :
( وما يستوي الأحياء ولا الأموات( أي وما يستوي أحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله ومعرفة كتابه وتنزيله، وأموات القلوب بغلبة الكفر عليها حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه ولا تفرق بين الهدى والضلال، وكل هذه أمثال ضربها الله للمؤمن والإيمان والكافر والكفر.
ونحو الآية قوله :( أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها( ( الأنعام : ١٢٢ ) وقوله :( مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا( ( هود : ٢٤ ).
والخلاصة : إن المؤمن بصير سميع نير القلب يمشي على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون، والكافر أعمى وأصم يمشي في ظلمات لا خروج له منها، فهو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والآخرة حتى يفضي به ذلك إلى حرور وسموم، وحميم وظل من يحموم، لا بارد ولا كريم.
ثم بين أن الهداية والتوفيق بيده سبحانه وحده فقال :( إن الله يسمع من يشاء ] أي إن الله يهدي من يشاء إلى سماع الحجة وقبولها بخلق الاستعداد فيه للهداية.
ثم ضرب مثلا لهؤلاء المشركين وجعلهم كالأموات لا يسمعون فقال :( وما أنت بمسمع من في القبور( أي فكما لا تقدر أن تسمع من في القبور كتاب الله، فتهديهم به إلى سبيل الرشاد، لا تقدر أن تنفع بمواعظ الله وحججه من كان ميت القلب لا يستطيع فهم كتابه ومعرفة مغازي الدين وأسراره.
والخلاصة : كما لا ينتفع الأموات بعد أن صاروا إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها- كذلك هؤلاء المشركون لا حيلة لك فيهم ولا تستطيع هدايتهم.
تفسير المراغي
المراغي