الآيات استمرار في السياق، وفيها عود على بدء في توجيه الخطاب للناس كما فيها توكيد إنذاري وتبشيري للمؤمنين والكافرين وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.
فقد هتفت بالناس بأن الله ليس في حاجة إليهم، وإنما هم الفقراء إليه وإنه لغني عن المنصرفين عنه حميد للمستجيبين إليه. وأنذرتهم بقدرة الله على إبادة الموجودين منهم والإتيان بغيرهم، وهو أمر يسير عليه لأنه الخالق المبدع القادر على كل شيء. وسلّت النبي صلى الله عليه وسلم وثبت فيه المصير والسكينة. فليس عليه إلاّ الاهتمام للذين آمنوا بربهم وخافوه ولو لم يروه وأقاموا الصلاة ورغبوا في الخير والهدى، وإن الذي يفعل ذلك إنما يطهر نفسه ويفعل ما فيه خيره وسعادته، وقررت أن كل امرئ مؤاخذ عن عمله وليس لأحد أن يحمل ذنب أحد ولو وصلت بينهما روابط القربى. وأهابت بالناس أنه جدير بهم أن يفرقوا بين الأعمى والبصير والظلمات والنور، والظل والحرور، والأحياء والأموات، وأن لا تكون هذه المتضادات في نظرهم سواء لأن ذلك غير ممكن، ولأن الذين يدركون استحالة ذلك ويفرقون بين الأضداد ويلتزمون ما هو الأفضل منها هم الذين يكونون قد اهتدوا بهدي الله واستجابوا إلى دعوته ؛ ولأن الذين لا يدركون ذلك هم في الحقيقة كالأموات في القبور. وعادت إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته حيث وجهت الخطاب إليه بأنه ليس عليه أن يسمع من في القبور، وما عليه إلاّ أن ينذر الناس ويبين لهم الحق، وأن الله لم يرسله إلاّ بشيرا ونذيرا كما كان الأمر في من سبقه من الرسل ؛ وأن الكفار إذا كانوا يقفون منه موقف المكذب فقد وقف من قبلهم مثل هذا الموقف حينما جاءتهم رسل الله بالبينات والكتب والآيات النافذة الواضحة. ولقد أخذهم الله أخذا قويّا، وترك من آثار ذلك ما فيه العبرة لمن بعدهم ليروا كيف كان أخذ الله وعذابه للكافرين به المكذبين لرسله.
والسلسلة كسابقتها قوية رائعة نافذة في أسلوبها وروحها ومضمونها وخطابها للعقل والقلب، واستمدادها من مشاهدات الناس وواقع أمورهم وما استهدفته من أهداف وقررته من تقريرات، وفيها كتلك تلقينات قوية مستمرة المدى أيضا.
ولقد شبه الكفار بالأموات بسبب عدم استماعهم لكلمة الحق، وعدم رؤيتهم الحقيقة الساطعة وعدم الاستجابة إلى داعيهما وهو تشبيه قوي لاذع.
ولقد قصد بذكر التضاد بين الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، والأموات والأحياء بيان الفرق الواضح بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والاستقامة والانحراف، وذوي النوايا الحسنة والقلوب السليمة والعقول الواعية الراغبة في الحق وبين ذوي النوايا الخبيثة والقلوب المريضة والعقول السقيمة العنيدة المكابرة، وعدم إمكان وجواز التسوية بين كل ضدّ وضدّ. وفي هذا ما هو واضح من التلقين الجليل.
ولعلّ في الآية [ ١٨ ] إشارة إلى ما كان عليه التضامن القبلي والأسروي في المجتمع العربي من قوة، فالعربي كان يتحمل مسؤولية ما اقترف قريبه من جرائم ويشترك في غراماتها، والمتبادر أنه استهدف بذكرها تصوير هول القيامة واضطرار كل امرئ للانشغال بنفسه دون غيره، وعدم حمل أحد مسؤولية أحد مهما كانت الصلة التي تجمع بينهما، وهذا المعنى تكرر مرة بعد مرة لأنه مستمد من واقع حال السامعين. وقد سبق بأسلوب قوي في آيات سورتي عبس والفجر.
مغزى تكرر تسلية النبي صلى الله عليه وسلم في آيات السورة
ويلحظ تكرر الآيات التي احتوت تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته والتخفيف عنه وتنوع أساليبها في فصول هذه السورة، مما يمكن أن يدل على أنها نزلت في ظرف كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحزن والحسرة مما يواجهه من مواقف العناد والتكذيب والصد والمكر، ومضامين فصول السورة ـ فضلا عن الآيات الخاصة في هذا الصدد ـ تؤيد ذلك أيضا. ولقد تكرر هذا كثيرا في أكثر السور المكية وشرحنا ما تبادر من أسبابه وحكمته في سياق سورة ( ق ).
تعليق على جملة
وإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ
مع أن الجملة قد قصد بها في مقامها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته على ما قلناه في الشرح. فإن هناك من أبعد في التأويل فقال : إن كلمة ( أمة ) تشمل كل حيّ من بني آدم وسائر الحيوانات من دوابّ وطيور وزواحف وحشرات الخ. وقد يكون القائل استأنس بآية سورة الأنعام هذه ومَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ ولاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم [ ٣٨ ] وتعليقا على ذلك نقول إنه لا يصح فيما نعتقد الاستئناس بآية سورة الأنعام هذه لأنها في صدد تقرير كون الدواب والطيور التي خلقها الله أنواعا مثل بني آدم. وجملة إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ مما يدعم عدم صحة الاستئناس ؛ لأن في القرآن آيات لا تحصى متنوعة الصيغ تفيد أن التكليف محصور ببني آدم، فيكون نذر الله محصورين بهم تبعا لذلك. من ذلك ما احتوى تقرير الله قد شاءت كلمة أن يكون بنو آدم خلفاء الله في الأرض كما يستفاد من آيات سورة البقرة [ ٣٠ و٣٨ و ٣٩ ] وقد انطوى في الآيات بتقرير كون بني آدم هم موضوع التكليف حصرا. ومن ذلك ما انطوى فيه كون الله أراد منذ البدء خلق بني آدم ليبلوهم أيهم أحسن عملا، كما جاء في آيات سورة هود [ ٧ ] والملك [ ٢ ] وغيرها. ومن ذلك ما انطوى فيه تقرير كون الله ينزل آياته للناس ليفكر بها ويتدبرها ويعقلها أولو الألباب. وكل هذا شأن بني آدم خاصة. والآيات في هذا كثيرة كثرة تغني عن التمثيل. وفي سورة الأحزاب آية قطعية الدلالة على أن الإنسان هو المكلف وحده وهي إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاواتِ والْأَرْضِ والْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وحَمَلَهَا الْإِنسَانُ... [ ٧٢ ]. وفي سورة النحل هذه الآية ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ واجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ ومِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [ ٣٦ ] التي تنطوي على شيء من المماثلة للجملة التي نحن في صددها قوية الصراحة في كون المقصودين من الجملة وكلمة ( الأمة ) هم بنو آدم. ومثل هذه الصراحة منطو في آيات سورة الإسراء [ ١٣ ـ ١٥ ] ولكل من هذه الآيات أمثال عديدة أخرى.
وفي الجملة نقطة أخرى تتحمل تعليقا. وهي تقريرها أن الله تعالى قد بعث في كل أمة سابقة من أمم الأرض من بني آدم نذيرا. وهذا التقرير منطو في آية النحل [ ٣٦ ] التي أوردناها آنفا مع زيادة كون دعوة رسل الله ونذره جميعا هي توحيد الله واجتناب الأوثان كمبدأ جوهري ورئيسي. والرسل الذين قصّ القرآن سيرتهم وأممهم بالأسماء قليلون جدا. وقد استدركت هذا المعنى آية سورة غافر هذه ولَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ ومِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عليك.. [ ٧٨ ].
ومهما تكن الوثنية وطابعها طاغيين على عقائد الأمم السابقة والموجودة على اختلاف الأجناس والألوان والأقطار فإنه يلمح فيها دائما فكرة الاعتقاد بإله أعظم وراء الكون والاتجاه إليه بصورة ما. ومع احتمال أن يكون ذلك فطرة الله التي فطر الناس عليها كما جاء في آية سورة الروم هذه فَأَقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ... [ ٣٠ ] بعد أن شاءت حكمة الله أن يكون بنو آدم متميزين عن سائر خلقه بالعقل والتفكير وقابلية التمييز بين الخير والشر والهدى والضلال، وقابلية الاختبار، فإن احتمال كون ذلك، من أثر دعوة نذر الله ورسله أيضا واردا.
وعلى كل حال فمن الواجب على المسلم الإيمان بما جاء في الآيات القرآنية من ذلك، والله تعالى أعلم.
التفسير الحديث
دروزة