ثم يقول سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم ومُسلِّياً له: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ النبي صلى الله عليه وسلم جاء على كفر وجهالة من قومه، فكانت دعوته أنْ يخرجهم من العمى والجهالة إلى ما ينير بصائرهم ويُخرِجهم من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان.
وقد كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على هداية قومه يكاد يُهلك نفسه في سبيل دعوته؛ لذلك خاطبه ربه بقوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦].
كذلك هنا يخاطبه بقوله: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ أي سماع هداية إقبال، وإلا فَهُمْ جميعاً يسمعون، لكن هناك سماعُ إعراضٍ وسماعُ إقبال، منهم مَنْ يقبل ويؤمن ويتأثر بكلام الله، ومنهم مَنْ يسمع ثم يُعرض وينصرف عما سمع؛ لذلك قال الله فيهم: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ [الأنفال: ٢٣].
إذن: يا محمد، لقد أديتَ ما عليك نحوهم، وخاطبتَهم خطابَ هداية، وخطابَ تهديد ووعيد، فلم يسمعوا وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ فجعلهم الله لعدم سماعهم كالأموات، وإلا "فرسول الله خاطب أهل قليب بدر من الكفار حين وقف عليهم وناداهم بأسمائهم: "يا عتبة بن ربيعة، يا شبيبة بن ربيعة، يا أبا جهل أليس وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإنَّا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً".
فقال عمر: أتكلمهم وقد جَيَّفوا؟ قال صلى الله عليه وسلم: "والله، ما أنتم بأسمعَ منهم، ولكنهم لا يتكلمون"".
فالمعنى: ما أنت بمسمع السماع المؤدي إلى الهداية، كما أنك لا تُسمع مَنْ في القبور؛ لأن زمن السماع وقبول الهداية انتهى بالموت.
لكن إذا كان رسول الله لا يُسمع مَنْ في القبور، فما مهمته؟ يقول سبحانه بعدها:
إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ.
تفسير الشعراوي
الشعراوي