ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹ

ثم أورثنا منك ذلك الكتاب والإرث انتقال الشيء من أحد إلى غيره، وقيل معنى أورثنا أخرنا ومنه الميراث لأنه آخر من سالف، ومعنى الآية أخرنا القرآن من الأمم الماضية وأعطينا الذين اصطفينا من عبادنا من للتبعيض متعلق باصطفينا أو بيان للموصول ظرف مستقر حال من الضمير المنصوب المحذوف الراجع إلى الموصول يعني اصطفيناهم من عبادنا وإضافة العباد إلى نفسه للتشريف والمراد بالموصول علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الصحابة ومن بعدهم أو الأمة بأسرها كذا قال ابن عباس، فإن الله اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس وخصهم بكرامة الانتماء إلى سيد الأنبياء :

طوبى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركنا غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
وقيل الجملة معطوفة على إن الذين يتلون والذي أوحينا اعتراض وعندي أن الجملة معطوفة على مضمون والذي أوحينا إليك هو الحق يعني أنزلنا إليك الكتاب الحق ثم أورثناه منك الذين اصطفيناهم من عبادنا فمنهم من هو ظالم لنفسه مقصد في العمل قال الله تعالى في حقهم : وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم (١)
وقال الله تعالى : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (٢) ومنهم من هو مقتصد يعمل على ظاهر الكتاب ولا يفوز إلى حقيقته قال الله تعالى فيهم : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم{ ١٠٢ }(٣) ومنهم من هو سابق بالخيرات بإذن الله أي بإرادته فائز إلى حقائق القرآن قال الله تعالى : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه (٤) وقال الله تعالى : والسابقون السابقون أولئك المقربون (٥) والصنفان الأولان هم أصحاب الميمنة، وقيل المقتصد من يعمل بالقرآن في غالب الأوقات والسابق من ضم إلى العمل التعليم والإرشاد.
روى البغوي بسنده عن أبي عثمان النهدي قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقرأ هذا فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له " قال أبو قلابة من رواة الحديث : فحدثت به يحيى بن معين فجعل يتعجب منه، ورواه البغوي أيضا مرفوعا، وأخرجه سعيد ابن منصور والبيهقي موقوفا على عمر. وروى البغوي بسنده عن أبي ثابت أن رجلا دخل المسجد فقال اللهم إرحم غربتي وآنس وحشتي وسق إلي جليسا صالحا، فقال أبو الدرداء رضي الله عنه : لئن كنت صادقا لأنا أسعد بك منك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال " أما السابق فيدخل الجنة فيدخل الجنة بغير حساب أما المقتصد فيحاسبه حسابا يسيرا وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم يدخله الجنة ثم قرأ هذه الآية : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور " ورواه أحمد وابن جرير والطبراني والحاكم والبيهقي وفيه " فأما الذين ظلموا فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم الذين تلافاهم الله برحمته لهم الذين يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور "، قال البيهقي له طرق عن أبي الدرداء قال وإذا كثرت طرق الحديث ظهر أن للحديث أصلا، قال البغوي وروي عن أسامة بن زيد في هذه الآية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كلهم من هذه الأمة " وكذا أخرج البيهقي عن أسامة وأخرج مثل ذلك عن كعب وعطاء أن الأصناف الثلاثة في الجنة، وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله كل كتاب أنزله فظالمهم مغفور له ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب، وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال :" هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة " (٦) وأخرج الفريابي عن البراء بن عازب في قوله تعالى : فمنهم ظالم لنفسه الآية قال أشهد على الله أنه يدخلهم الجنة جميعا.
وأخرج ابن أبي عاصم والأصبهاني عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول يا معشر العلماء إني لم أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم انطلقوا قد غفرت لكم " وأخرج الطبراني بسند رجاله ثقات عن ثعلبة بن الحكم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى : للعلماء إذا قعد على كرسيه لفصل عباده :" إني لم أجعل علمي وحكمي إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي " وأخرج ابن عساكر عن أبي عمر الصنعاني " اسمه حفص بن ميسرة " قال إذا كان يوم القيامة عزلت العلماء فإذا فرغ الله تعالى من الحساب قال لم أجعل حكمتي فيكم إلا بخير أريدكم، أريدكم أدخلوا الجنة بما منكم، وقال عقبة بن صهبان سألت عن عائشة عن قوله تعالى : أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فقالت يا بني كلهم في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وأما المقتصد فمن اتبع أثره حتى لحق به وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم فجعلت نفسها معنا، قلت : ويمكن حمل هذه الأصناف الثلاثة على المصطفين الأخيار من هذه الأمة أي الأولياء فمنهم ظالم لنفسه وهو من يمنع نفسه عن حقوقه كما يمنعه عن حظوظه كأهل الرياضات والمجاهدات الشاقة رهبانية ابتدعوها ومنهم مقتصد يمنع نفسه عن حظوظه ويعطيه حقوقه فيصوم ويفطر ويصلي ويرقد وينكح ويأكل ويشرب ما أبيح له على ما هو السنة هم الذين قال عائشة فيهم من اتبع أثره حتى لحق به، ومنهم سابق بالخيرات المستغرق في كمالات النبوة وهم الصحابة رضي الله عنهم والصديقون كما قالت عائشة وزعمت عائشة نفسها من الظالمين هضما وزعمت المخاطبين منهم لأجل رياضاتهم، وبالجملة فالأحاديث كلها تدل على أن الأصناف الثلاثة من المؤمنين أومن العلماء فمن قال أريد بالظالم الكافر أو المنافق فقوله مردود. سئل أبو يوسف عن هذه الآية فقال كلهم مؤمنون وأما صفة الكفار فبعد هذا وهو قوله والذين كفروا لهم نار جهنم وأما الطبقات الثلاث فمن الذين اصطفى من عباده لأنه قال فمنهم ومنهم والكل راجع إلى الذين اصطفى من عباده وهم أهل الإيمان وعليه الجمهور، وقدم الظالم في الذكر لكثرة الظالمين وقلة السابقين وتوسط المقتصدين أو لأن الظلم بمعنى الميل إلى الهوى مقتضى الجملة والإقتصاد والسبق عارضان لكن الاقتصاد متوسط بين المنزلتين ذلك التوريث أو الاصطفاء هو الفضل الكبير
١ سورة التوبة، الآية: ١٠٦..
٢ سورة الزمر، الآية: ٥٣..
٣ سورة التوبة، الآية ١٠٢..
٤ سورة التوبة، الآية ١٠٠،.
٥ سورة الواقعة، الآية ١٠-١١.
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الملائكة ٣٢٢٥.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير