ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹ

وانتقل كتاب الله إلى التحدث عن المنة الكبرى التي من الله بها على الإنسانية، وأبقاها نعمة مسترسلة متوارثة في الأمة الإسلامية، ألا وهي نعمة القرآن الكريم، والذكر الحكيم، الذي جعله الله خاتم الكتب المنزلة، ودستور ( الأمة الوسط )التي اصطفى دينها وفضله، فقال تعالى : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ، و( توريث الكتاب ) يقتضي الحرص التام على القيام بحفظ نصوصه ومبانيه، والعمل المتواصل على تطبيق أحكامه وتفسير معانيه، بما فيه من عقائد وشرائع، ومحاسن وبدائع، والعناية البالغة بكل ما يعين على حفظه وفهمه وتطبيقه، من فروع المعرفة القديمة والحديثة، إذ هو منبع التراث الإسلامي الأصيل، الذي يجب أن يتلقاه غضا طريا جيل عن جيل، دون تحريف ولا تبديل، والمراد ( بالاصطفاء ) الاختيار والاجتباء، مشتق من ( الصفو ) وهو الخلوص من شوائب الكدر، وهذا المعنى يتضمنه أيضا قوله تعالى في سورة البقرة( ١٢٢ ) : إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، وقوله تعالى في سورة آل عمران ( ٨٥ ) : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين ، وقوله تعالى في سورة المائدة ( ٣ ) : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا .
ثم تولى كتاب الله تصنيف المؤمنين من عباده، حسب سلوكهم الخاص والعام، وحسب الدرجة التي يحتلونها في سلم الاستقامة والانحراف، فقال تعالى : فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ، فالظالم لنفسه من لم يشكر نعمة الله عليه ووضعها في غير موضعها، فغلبته زلاته، وتتابعت سقطاته، والمقتصد من مال إلى القصد والاعتدال، وحاول أن يعطي للدنيا حقها وللآخرة حقها، والسابق بالخيرات من حاز قصب السبق في الحسنات والمبرات، ونال رفيع الدرجات، وبذلك يكون ( المقتصد ) واسطة بين طرفين : طرف ( الظالم لنفسه ) من جهة، وطرف ( السابق بالخيرات ) من جهة أخرى، وسبق في سورة آل عمران قوله تعالى ( ٦٦ ) : منهم أمة مقتصدة، وكثير منهم فاسقون . وسبق في سورة لقمان قوله تعالى على لسان لقمان وهو يعظ ابنه( ١٩ ) : واقصد في مشيك ، من ( القصد ) بمعنى التوسط، على أن الشأن في المؤمن، إذا تورط في ظلم نفسه بارتكاب السيئات وتناول الموبقات، أن لا يصر عليها، وأن يتوب إلى الله منها، اعتمادا على الوعد الحق الذي وعد الله به المذنبين التائبين، إذ قال تعالى ( ٢٥ : ٤٢ ) : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات .
وقوله تعالى : بإذن الله ، بعد قوله : سابق بالخيرات تنبيه إلى أنه لا يرتفع إلى درجة السابقين المتقين، إلا من أعانه الله وشمله برعايته، فكان من الموفقين، وهذا المعنى هو الذي عبرت عنه بكل صراحة الآية الكريمة التي سبقت في سورة النور( ٢١ ) : ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا .
ثم قال تعالى : ذلك هو الفضل الكبير( ٣٢ ) ، إشارة إلى نعمة ( توريث القرآن العظيم لهذه الأمة، واصطفائها لأداء أسمى مهمة، وإما إلى نعمة السبق بالخيرات، ورفع الدرجات، وإما إلى نعمة التوفيق الحاصل بإذن الله، لمن وفقه الله، ولا مانع من أن تكون إشارة شاملة لهذه المعاني مجتمعة، إذ لا تناقض بينها، فكلها فضل كبير من الله، وعلى رأسها جميعا كتاب الله.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير