إِنَّ الله عالم غَيْبِ السموات والأرض قرأ الجمهور بإضافة عالم إلى غيب ، وقرأ جناح بن حبيش بالتنوين، ونصب غيب. والمعنى : أنه عالم بكل شيء، ومن ذلك أعمال لا تخفى عليه منها خافية، فلو ردّكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحاً كما قال سبحانه : وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ [ الأنعام : ٢٨ ]. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور تعليل لما قبله، لأنه إذا علم مضمرات الصدور، وهي أخفى من كل شيء علم ما فوقها بالأولى. وقيل : هذه الجملة مفسرة للجملة الأولى.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إذا كان يوم القيامة قيل : أين أبناء الستين ؟ وهو العمر الذي قال الله : أو لم نعمّركم ما يتذكر فيه من تذكر» وفي إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي، وفيه مقال. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أعذر الله إلى امرىء أخر عمره حتى بلغ ستين سنة» وأخرج عبد بن حميد، والطبراني، والحاكم، وابن مروديه عن سهل بن سعد مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عليّ بن أبي طالب قال : العمر الذي عيرهم الله به ستون سنة. وأخرج الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وابن المنذر، والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك». قال الترمذي بعد إخراجه : حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه، ثم أخرجه في موضع آخر من كتاب الزهد، وقال : هذا حديث حسن غريب من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، وقد روي من غير وجه عنه. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال : هو : ستّ وأربعون سنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال : العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم فيه بقوله : أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ أربعون سنة. وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الأفراد، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، والخطيب في تاريخه عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر :«قال : وقع في نفس موسى هل ينام الله عزّ وجلّ ؟ فأرسل الله إليه ملكاً، فأرّقه ثلاثاً، وأعطاه قارورتين في كلّ يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، فجعل ينام، وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ، فيحبس إحداهما على الأخرى حتى نام نومة، فاصطفقت يداه وانكسرت القارورتان. قال : ضرب الله له مثلاً إن الله تبارك وتعالى لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض». وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن سلام : أن موسى قال : يا جبريل هل ينام ربك ؟ فذكر نحوه. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة، والبيهقي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه : أن موسى، فذكر نحوه. وأخرج الفريابي، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : إنه كاد الجعل ليعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ الآية.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني