فعلى الناس أن يحذروه وأن يتخذوه عدوا ليتقوا شرّه.
والمتبادر أن ينطوي في هذا تقرير كون السامعين يعرفون أن الإغواء والإغراء وتزيين الشهوات من وساوس الشيطان وهو ما قررته عنهم آيات عديدة مرت أمثلة منها وما شرحناه شرحا وافيا بخاصة في سياق تفسير سورتي التكوير وصّ.
تعليق على الأمر بعدم الاغترار بالدنيا
وليس من محل للتوهم بأن الآية الأولى في صدد دعوة الناس إلى نفض أيديهم من الحياة الدنيا. فالقرآن احتوى آيات كثيرة تبيح للناس الاستمتاع بالحياة وطيباتها وزينتها وابتغاء فضل الله ورزقه والسعي إليه، وقد مرّت أمثلة قوية صريحة من ذلك في سورة الأعراف، وإنما هي في صدد التحذير من الاغترار والانشغال بها اغترارا وانشغالا ينسيان صاحبهما واجباته نحو الله ونحو الناس ويدفعانه إلى الاستغراق في المتع والشهوات بدون تورع من إثم وإسراف.
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٧ الى ٨]
الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨)
(١) فلا تذهب نفسك عليهم حسرات: فلا تهلك نفسك من الحسرة عليهم.
تقرر الآية الأولى مصير الكافرين والمؤمنين الصالحين حيث يكون مصير الأولين العذاب الشديد والآخرين مغفرة الله وأجره الكبير كنتيجة لما تقدم من خطاب الناس وتحذيرهم.
أما الآية الثانية ففحوى الشطر الأول منها يدل على أنه أريد المقايسة بين الفريقين وتقرير الأفضل منهما، واكتفى بذكر الفريق الثاني منهما بأسلوب استنكاري يدل على تفضيل الفريق الأول واستحالة أن يكون سواء مع الفريق الثاني
الذي زين له سوء عمله فانخدع ورآه حسنا. وفي هذا معنى جليل وتلقين بليغ مستمر المدى وهو أن عمل الإنسان إنما يحكم عليه بأثره في المجتمع وبما يكون فيه من حقّ وهدى ونفع، لا بإعجاب صاحبه به.
أما فحوى الشطر الثاني من الآية الثانية فيلهم أنه أريد به تسلية النبي ﷺ وتهوين موقف الكفار وتكذيبهم. فسوء عملهم وخبث طويتهم يجعلانهم غير مأسوف عليهم إذ انصرفوا عن الدعوة، والله أعلم بحقيقة ما هم عليه وما يصدر منهم، وأنهم لا يستحقون أن يكونوا سببا لإهلاك نفسه حسرة وغمّا عليهم، فالله يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء فليس من محل لحزنه واكتئابه.
ولقد روى البغوي عن سعيد بن جبير أن الآية [٨] نزلت في أصحاب الأهواء والبدع. وعن قتادة أنها في الخوارج الذين كانوا يستحلون دماء المسلمين الذين لا يذهبون مذاهبهم وأموالهم. والتجوز في هذا واضح، لأن مضمون الآية وسياقها صريحان بأنها في صدد الذين كفروا برسالة النبي ﷺ وكانوا يعتدّون بما هم عليه.
وكل ما يمكن أن تكون هذه الأقوال قيلت على سبيل التطبيق وبوحي الأحداث التي وقعت في صدر الإسلام. على أنه يصح القول من ناحية أخرى أن التنديد المنطوي فيها عام مطلق يتناول كل من يرتكس في الأعمال المنكرة السيئة ويصر عليها رغم ما يظهر من ضررها وبعدها عن الحق.
تعليق على تعبير فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
والشرح الذي شرحنا به الآيات والمستمد من روحها وأسلوبها ومقامها ومن فحوى آيات عديدة أخرى أوردناها في سياق آية مماثلة في سورة المدثر يزيل ما قد يرد من وهم بأن العبارة بسبيل تقرير تحتيم الله الهدى والضلال على أناس بأعيانهم تحتيما لا تبديل فيه، والآيات التي قبل الآية التي تقرر استحقاق الكافر للعذاب والمؤمن للأجر والمغفرة والتي تتضمن تقرير قابلية الاختيار للإنسان قرينة واضحة
التفسير الحديث
محمد عزة بن عبد الهادي دروزة