ثم ذكر مَن ينفعه الإنذار، فقال : إِنما تُنْذِرُ مَن اتَّبَعَ الذِّكْرَ أي : إنما ينتفع بإنذارك مَن تبع القرآن وخَشِيَ الرحمان بالغيب وخاف عقاب الله قبل أن يراه، أو : تقول : نُزِّل وجود الإنذار لمَن لم ينتفع به منزلة العدم، فمَن لم يُؤمن كأنه لم يُنذر، وإنما الإنذار لمَن انتفع به. فَبَشِّرْهُ بمغفرةٍ وهو العفو عن ذنوبه، وأجرٍ كريمٍ الجنة وما فيها.
الإشارة : كل مَن تصدّى لوعظ الناس، وإنذارهم، على فترة من الأولياء، يقال له : لِتُنذر قوماً ما أُنذر آباؤهم فهم غافلون. ويقال في حق مَن سبق له الإبعاد عن طريق أهل الرشاد : لقد حقَّ القولُ على أكثرهم، فهم لا يؤمنون. إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً تمنعهم من حط رؤوسهم لأولياء زمانهم، وجعلنا من بين أيديهم سدًّا : موانع تمنعهم من النهوض إلى الله، ومن خلفهم سدّاً : علائق تردهم عن حضرة الله، فأغشيناهم : غطَّينا أعين بصيرتهم، فلا يرون خصوصية أحد ممن يدلّ على الله، فهم لا يُبصرون داعياً، ولا يُلبون منادياً، فالإنذار وعدمه في حقهم سواء، ومعالجة دائهم عناء. قال الورتجبي : سد ما خلفهم سد قهر الأزل، وسد ما بين أيديهم شقاوة الأبد، فبنفسه منعهم من نفسه. لا جرم أنهم في غشاوة القسوة، لا يبصرونه أبداً. هـ. إنما ينتفع بتذكير الداعين إلى الله مَن خشع قلبه بذكر الله، واشتاقت رُوحه إلى لقاء الله، فبشِّره بمغفرة لذنوبه، وتغطية لعيوبه، وأجر كريم، وهو النظر إلى وجه الله العظيم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي