ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الموتى عند البعث. لما بين الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بهم المكلف مؤمناً مسلماً ذكر أصلاً آخر وهو الحشر. ووجه آخر وهو أن الله تعالى لما ذكر الإنذار والبشارة بقوله : فَبَشِّرهم بمغفرة ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال : إن لم ير في الدنيا فاللَّه يحيي الموتى وُيجْزَى المنذّرُونَ والمُبشرُونَ ووجه آخر وهو أنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحْيَاءُ الموتى(١).

فصل


«إنّا نحن » يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون مبتدأ وخبراً كقوله :
٤١٧١- أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي(٢). . .
ومثل هذا يقال عند الشُّهْرَة العظيمة، وذلك لأنَّ من لا يُعْرَفُ يُقَال(٣) ( لَهُ )(٤) : من أنت ؟ فيقول : أنا ابنُ فُلاَنٍ فيُعْرَفُ، ومن يكون مشهوراً إذا قيل له : مَنْ أَنْتَ، يقول(٥) : أنا ولا معرفة لي أظهر من نفسي فيقال : إنَّا نَحْنُ معروفون بأوصاف الكمال، وإذا عرفنا بأنفسنا فلا ينكر قدرتنا على إحياء الموتى.
والثاني : أن الخبر«نُحْيِي » كأنه قال :«إِنَّا نُحِيي المَوْتَى » و «نحن » يكون تأكيداً.
وفي قوله : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الموتى إشارة إلى الوحيد ؛ لأن الإشراك يوجب التمييز، فإن «زيداً » إذا شاركه غيره في الاسم، فلو قال :«أنا زيد » لا يحصل التعريف التام، «لأن »(٦) للسامع أن يقول : أيُّمَا زيد ؟ فيقول : ابنُ عمرو، ( ولو(٧) كان هناك زيدٌ آخرُ أبو عمرو لا يكفي قوله : ابن عمرو ) فلما قال الله : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الموتى أي ليس غيرنا أحد يشركنا حتى يقول : أنا كذا فيمتاز، وحينئذ تصير الأصول (٨) الثلاثة مذكورة : الرسالة والتوحيد والحشر(٩).
قوله : وَنَكْتُبُ العامة على بنائه للفاعل، فيكون «مَا قَدَّمُوا » مفعولاً به و «آثَارهُمْ » عطف عليه. وزِرّ ومسروقٌ قَرَآهُ مبنياً للمفعول، و «آثَارُهُم »(١٠)بالرفع عطفاً على «مَا قَدَّمُوا » لِقِيَامِهِ مَقَام الفَاعِل(١١).

فصل


المعنى ما قدموا وأخروا، فاكتفي بأحدهما، لدلالته على الآخر كقوله تعالى : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر [ النحل : ٨١ ] أي وَالبَرْدَ. وقيل : المعنى ما أسلفوا من الأعمال صالحةً كانت أو فاسدةً، كقوله تعالى : بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ (١٢) [ البقرة : ٩٥ ] أي بما قدمت في الوجود وأوجدته. وقيل : نكتب نِيَّاتِهِمْ فإنها قبل الأعمال و «آثَارَهُمْ » أي أعمالهم. وفي «آثارهم » وجوه :
أحدها : ما سنوا من سنة حسنة وسيئة.
فالحسنة كالكتب المصنّفة والقناطر المبنية، والسيئة كالظّلامة(١٣) المستمرة التي وضعها ظالم والكتب المضلة. قال- عليه ( الصلاة(١٤) و ) السلام :«مَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُهَا ومِثْلُ أَجْر مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهمْ شَيْئاً، وَمَنْ سَنَّ فِي الإسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً فعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَه كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أوْزَارِهِمْ شَيْئاً »(١٥) وقيل : نكتب آثارهم أي خُطاهم إلى المسجد(١٦) ؛ لما روي أبو سعيد الخُدْرِي قال : شَكَتْ بنو سلمة بُعْدَ منازِلهم من المسجد فأنزل الله : ونكتُبُ ما قدموا وآثارهم فقال - عليه ( الصلاة و ) السلام- :«إنَّ اللَّه يَكْتُبُ خُطَوَاتِكُمْ وَيُثِيبُكُمْ عَلَيْهِ »(١٧). وقال - عَلَيْهِ ( الصَّلاَةُ وَ ) السَّلاَمُ- :«أَعْظَمُ النَّاس أَجْراً في الصَّلاَةِ أبْعَدُهُمْ مَمْشًى وَالِّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاَةً حَتَّى يُصَلِّيهَا مَعَ الإمَام أَعْظَمُ أجْراً من الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ »(١٨) فإن قيل : الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال :( «نُحْي » )(١٩) و «نكتُبُ » ولم يقل : نكتب ما قَدَّمُوا وَنُحْيِيهمْ ؟.
فالجواب : أن الكتابة معظمة، لا من الإيحاء، لأن الإحياء إن لم يكن للحساب(٢٠) لا يعظم، والكتابة في نفسها إن لم تكن إحياءً وإعادة لا يبقى لها أثر أصلاً والإحياء هو المعتبر، والكتابة مؤكدة معظمة لأمره فلهذا قدم الإحياء. ( و )(٢١) لأنه تعالى قال : إِنَّا نَحْنُ وذلك يفيد العظمة والجَبَرُوتَ، والإحياء العظيم يختص بالله، والكتابة دونه تقرير العريف الأمر العظيم وذلك مما يعظم ذلك الأمر العظيم.
قوله : وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ العامة على نصب «كل » على الاشتغال(٢٢). وأبو السِّمِّال قرأه مرفوعاً بالابتداء(٢٣) والأرجحُ قراءةُ العامة، لعطف جملة الاشتغال على جملة فعليةٍ(٢٤).

فصل


«أَحْصَيْنَاهُ » حفظناه وثبّتناه «فِي إمَامِ مُبينٍ ». فقوله «أَحْصَيْنَاهُ » أبلغ من كتبناه، لأن كتب شيئاً مفرقاً يحتاج إلى جمع عدده(٢٥)، فقال يحصي(٢٦) فيه. وإمامٌ جاء جمعاً في قوله : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [ الإسراء : ٧١ ] أي بأئمتهم(٢٧) وحنيئذ ف «إمَام » إذا كان فرداً فهو ككِتَاب وحِجَاب، وإذا كان جمعاً فهو كجِبَال. والمُبِينُ هو المظهر للأمور لكونه مُظْهراً ( للملائكة(٢٨) ما ) يفعلون وللناس ما يفعل بهم، وهو الفارق بين أحوال الخلق فيجعل فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير. وسمي الكتاب إماماً، لأن الملائكة يأتمون به، ويتبعونه، وهو اللوح المحفوظ. وهذا بيان لكونه ما قدموا وآثارهم أمراً مكتوباً عليهم لا يُبدَّل، فإن القَلَم جَفَّ بما هو كائن، فلما قال «نَكْتُبُ مَا قَدًَّمُوا » بين أن قبل ذلك كتابةً أخرى، فإن الله تعالى كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه(٢٩). وقيل : إن ذلك مؤكّد لمعنى قوله :«وَنَكْتُبُ » ؛ لأن من يكتب(٣٠) شيئاً في أوراق ويرميها قد لا يجدها، فكأنه لم يكتب فقال : نكتُبُ ونَحفَظُ ذلك في إمام مبين وهو كقوله تعالى :
عِلْمُهَا(٣١) عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى [ طه : ٥٢ ]. وقيل : إنَّ ذلكَ تعميمٌ بعد التخصيص كأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم، وليست الكتابة مقتصرةً عليه بل كل شيء مُحْصًى في إمام مبين، وهذا يفيد أن شيئاً من الأفعال والأقوال لا يَعزُبُ عن ( علم )(٣٢) الله، ولا يفوته وهو قوله تعالى : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزبر وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ [ القمر : ٥٢-٥٣ ] يعني ليس ما في الزبر منحصراً فيما فعلوه بل كل شيء مكتوب(٣٣).
١ الرازي المرجع السابق..
٢ من الرجز لأبي النجم.
والاستشهاد بالبيت على أن "أنا أبو النجم" مبتدأ مؤخر ك "إنا نحن" من الآية الكريمة. والبيت في الخصائص ٣/٣٣٧ والمنصف ١/١٠ وأمالي الشجري ١/٢٤٤ وشرح ابن يعيش ١/٩٨ و ٩/٨٣ والمغني ٣٢٩ و٤٣٧ و ٦٥٧ والهمع ١/٦٠ و ٢/٩٥ والدرر اللوامع ١/٣٥ و ٢ /٧٦ والأشموني ١/١٥٥ والرازي ٢٦/٤٨.
ومن الإمكان –وهو الأرجح- أن يكون التنظير بالبيت في "وشعري شعري" ومعنى: وشعري شعري المعروف الموصوف كما بلغت وعرفت فكذلك: "إنا نحن" أي معروفون بأوصاف الكمال فالمبتدأ والخبر معرفتان..

٣ في "ب" فيقال..
٤ سقط من (ب)..
٥ في "ب" فيقول..
٦ ما بين الأقواس ساقط من (ب) و (أ) وتكملة من الرازي..
٧ ما بين الأقواس ساقط من (ب) و (أ) وتكملة من الرازي..
٨ في "ب" الأمور..
٩ وانظر في هذا كله تفسير الفخر الرازي ٢٦/٤٨و ٤٩..
١٠ في "ب" وآباؤهم تحريف..
١١ من القراءات الشاذة ذكرها ابن خالويه في المختصر ١٢٤ وابن الجوزي في زاد المسير ٧/٨ منسوبة إلى إبراهيم المخعي والجحدري وذكرها في الكشاف دون نسبة. الكشاف ٣/٣١٧..
١٢ الآية ٩٥ من سورة البقرة و٦٢ من سورة النساء و٤٧ من سورة القصص و ٤٨ من سورة الشورى و ٧ من سورة الجمعة. وقد ذكر هذه الآراء الثلاثة الفخر الرازي في تفسيره ٢٦/٤٩ ورجح الفراء والزجاج في معانيهما الرأي الثاني. انظر معاني الفراء ٢/٣٧٣ والزجاج ٤/٢٨١ والكشاف ٣/٣١٦..
١٣ كذا في "ب" والرازي وفي "أ" كالطلابات. واختار هذا الرأي ابن عباس وابن جبير والفراء وابن قتيبة والزجاج. انظر زاد المسير ٧/٩..
١٤ زيادات من "ب"..
١٥ رواه مسلم في صحيحه ٨/٦١ عن جرير بن عبد الله من حديث طويل..
١٦ زاد المسير ٧/٩ والرازي ٢٦/٤٩..
١٧ الرازي السابق..
١٨ عن أبي موسى رواه البخاري في صحيحه ١/١٢٠..
١٩ سقط من ب..
٢٠ كذا في "أ" والرازي وما في "ب" المصاب..
٢١ سقط من "ب"..
٢٢ ذكرت في القرطبي ١٥/١٣ ومعاني الفراء ٢/٣٧٣ ومشكل الإعراب ٢/٢٢٢ والتبيان ٨١٥و ١٠٧٩ والبيان ٢/٢٩١ وإعراب القرآن للنحاس ٣/٣٨٦ والبحر المحيط ٧/٣٢٥ والدر المصون ٤/٤٩٩. والكل رجح النصب..
٢٣ مختصر ابن خالويه ١٢٤ والبحر المحيط ٧/٣٢٥ وزاد المسير ٧/٩ بنسبتها إلى ابن السميقع وابن أبي عبلة. وانظر: الكشاف أيضا ٣/٣٧٧ والقرطبي ١٥/١٣..
٢٤ المراجع السابقة..
٢٥ قاله أبو عبيدة في المجاز ٢/١٥٩..
٢٦ في "ب" نحصي..
٢٧ في "ب" بأمتهم..
٢٨ سقط من "ب"..
٢٩ انظر في هذا تفسير العلامة الرازي ٢٦/٤٩و ٥٠..
٣٠ في "ب" كتب بصيغة الماضي..
٣١ لفظة "علمها" سقطت من "ب"..
٣٢ سقط من "ب"..
٣٣ تفسير الفخر الرازي ٢٦/٥٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية