ونكتب ما قدموا وآثارهم : نكتب ما فعلوه في حياتهم وما تركوه بعدهم من سنن وتقاليد وتبعات أو تحصى أعمالهم حتى آثارهم خطاهم.
إمام مبين : قيل : إن الجملة تعني ( أمّ الكتاب ) الذي سجل فيه أعمال الناس. ويتبادر لنا من روح الجملة والسياق أنها كناية عن علم الله الشامل الذي يحصي على الناس أعمالهم إحصاء دقيقا.
تعددت الأقوال المروية عن التابعين في تأويل معنى يس ١ ١ فقيل : إنها اسم من أسماء الله أو اسم من أسماء القرآن أو اسم من أسماء النبي. وقيل : إنها من اللغة الحبشية بمعنى يا إنسان أو إنها كذلك في لهجة طي. وإنها في أصلها انيسين ثم صارت ياسين. وقيل : إنها من نوع الحروف المنفردة التي جاءت في مطالع السور العديدة الأخرى. وهذا ما نرجحه بدليل أنه أعقب الحرفين قسم بالقرآن. وهو الأسلوب الذي جرى عليه النظم القرآني في معظم السور بدأت بالحروف المنفردة. وتكون والحالة هذه مثلها للتنبيه والاسترعاء. والله أعلم.
أما الآيات فقد احتوت :
١ ـ توكيدا للنبي صلى الله عليه وسلم بصدق رسالته وصحة نسبة التنزيل القرآني إلى الله وقوة إحكامه، وكونه على الطريق القويم لينذر قوما غافلين لم ينذر آباؤهم.
٢ ـ وحملة شديدة على معظم القوم الذين لم ينتفعوا بالإنذار ووقفوا من الدعوة موقف الجحود والعناد حتى كأنما ضرب عليهم سدّ حجب عنهم رؤية الحق. وكأنما قيّدت رؤوسهم بالأغلال فعجزوا عن تحريكها يمنة أو يسرة لاستبانة طريق الهدى.
٣ ـ وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. فهو إنما أرسل لينذر الناس وينتفع بإنذاره الذين حسنت نياتهم وصدقت رغباتهم في الحق، واستشعروا بخوف ربهم فآمنوا به واتبعوا قرآنه ورسوله فاستحقوا مغفرته وأجره الكريم.
٤ ـ وتقريرا ربانيا بأن الله سوف يحيي الناس بعد موتهم وأنه يسجل عليهم جميع ما فعلوه في حياتهم وخلفوه من تبعات بعد موتهم تسجيلا دقيقا وواضحا.
ولقد روى الطبري والبغوي عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري : أن الآية الأخيرة نزلت في بني سلمة من الأنصار الذين كانت محلتهم بعيدة عن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فأرادوا الانتقال إلى قرية فنزلت لتبشرهم وتطمئنهم بأن خطاهم تحسب لهم فثبتوا في محلّتهم. ومقتضى الرواية أن تكون الآية مدنية دون غيرها مع أنها منسجمة مع السياق ولم يرو أحد أنها مدنيّة. ولقد روى الحديث الشيخان والترمذي دون ذكر كون الآية نزلت بسبب رغبة بني سلمة في الانتقال إلى قرب المسجد وجاء في صيغة الشيخين والترمذي : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم :" إن آثاركم تكتب فلم ينتقلوا " ٢ حيث ينطوي في هذا إيعاز تطبيقي وتطميني وحسب.
وروى ابن كثير والطبرسي أن الآيات نزلت في مناسبة محاولة أبي جهل وبعض قومه البطش بالنبي صلى الله عليه وسلم ونثره التراب عليهم أو رؤيتهم مشهدا مفزعا جعلهم ينكصون أو يُغشى على أبصارهم. ولقد أوردنا رواية فيها شيء من مثل ذلك عن أبي جهل في سياق سورة العلق.
وعلى كل حال فالآيات بسبيل تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته إزاء ما كان يلقاه من قومه من عناد وجحود ومناوأة. وأسلوبها قوي نافذ. والراجح أنها نزلت في ظرف كان لهم أو لبعضهم موقف شديد من ذلك أثار النبي صلى الله عليه وسلم وآلمه فاقتضت حكمة التنزيل الإيحاء بها للتطمين والتثبيت من جهة والتنديد والتقريع والإنذار من جهة أخرى.
تعليق على آيات
إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا... الخ
والآيات [ ٧ ـ ٩ ] قد توهم أن الكفار قد وقفوا موقف الجحود والعناد بتحتيم رباني لم يكن لهم منه مناص. غير أن التروّي فيها وفيما قبلها وما بعدها يؤيد التأويل الذي أوّلناها به. فالآية [ ١٠ ] تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عليه إنذار من اتّبع الذكر وخشي الرحمان وبعبارة أخرى من صدقت رغبته في إتباع الحق. وهذا يعني أيضا أن الكفار إنما وقفوا موقفهم لخبث نيّتهم وعزوفهم عن الحق فحقّ عليهم القول. فهي من باب ويضل الله الظالمين في الآية [ ٢٧ ] من سورة إبراهيم و وما يضل به إلا الفاسقين في الآية [ ٢٦ ] من سورة البقرة و وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم في الآية [ ١٥٥ ] من سورة النساء و كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار في الآية [ ٣٥ ] من سورة غافر. وهذا التأويل هو الأكثر انسجاما مع حكمة الله تعالى في إرسال الرسل ودعوة الناس وإنذارهم وتبشيرهم وبيان طرق الهدى والضلال لهم وتعيين مصائرهم الأخروية وفق سلوكهم. وهو الأكثر اتساقا مع الحملة الشديدة التي احتوتها الآيات على الكفار والمناوئين على ما شرحناه في مناسبات سابقة. وهذا التأويل المستلهم من العبارة القرآنية وسياقها وروحها هنا وفي المواضع المماثلة يجعل التشاد الكلامي بين أصحاب المذاهب الكلامية الجبريين والقدريين حول هذه العبارة وأمثالها ويجعل الاتكاء عليها بسبيل تأييد مذهب على مذهب في غير محله كما هو المتبادر.
وإلى هذا، فإنه يتبادر لنا أن أسلوب الآيات قد جاء أيضا بسبيل تسجيل واقع أمر الكفار حين نزولها وحسب وليس على سبيل تأييد عدم إيمانهم سواء أنذروا أم لم ينذروا بدليل يقيني هو أن كثيرا منهم قد آمنوا فيما بعد وحسن إيمانهم ونالوا رضاء الله على ما نبهنا عليه في التعليق الذي كتبناه على موضوع التوبة في سورة البروج والتعليق الذي كتبناه على الآية [ ١٠١ ] من سورة الأعراف المشابهة للآيات التي نحن في صددها.
وفي الآية [ ٦ ] إشارة صريحة إلى مهمة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي الإنذار كما فيها تعليل لموقفهم وغفلتهم. وهذا مما يوثق التأويل، كما أن الآية [ ١٢ ] التي تنسب الأعمال إلى أصحابها وتنذر بإحصاء الله لها لمحاسبتهم عليها من الدلائل القريبة الموثقة.
ولقد قلنا : إن المتبادر أن الآيات نزلت بسبيل تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتطمينه وخمّنّا أن ذلك قد كان لحادث آلم نفسه وأثارها. فالآيات قد وردت بهذا الأسلوب لتكون أبلغ في التطمين والتثبيت. وفي توجيه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في الآيات التي قبلها وما فيها من عطف وتأييد وثناء وما في الآية التي بعدها من إيعاز له بأنه إنما ينذر ذوي النفوس الطيبة والرغبات الصادقة، وأن له فيهم الغناء والعزاء ـ قرائن قوية على ذلك أيضا.
تلقين الآيات الأولى من السورة
والآيات مصدر إلهام وتلقين مستمر المدى. سواء أفيما احتوته من ثناء وبشرى لذوي النفوس الطيبة والرغبات الصادقة أم في ما احتوته من حملة تنديدية شديدة على ذوي السرائر الخبيثة الذين يكون ديدنهم المكابرة في الحق والإيغال في الباطل أم في ما احتوته من تثبيت وتطمين يلهمان الدعاة والقادة والزعماء والمصلحين قوة يتغلبون بها على ما يلقونه في طريقهم من عقبات ومصاعب.
التفسير الحديث
دروزة