الحياة بعد الموت
" إنا نحن نحيي الموتى.
ونكتب ما قدموا وآثارهم.
و كل شيء أحصيناه في إمام مبين ".
المناسبة :
اشتملت الآيات المتقدمة على ذكر الرسول وصفته، ورسالته التي جاء بها – وهي القرآن – ووصفها. والمرسل وهو العزيز الرحيم. والمرسل إليهم، وتعميمهم بالنذارة، وانقسامهم إلى معرضين معاندين، ومقبلين متبعين ؛ فجاءت هذه الآية مشتملة على ما تكون فيه نتيجة ذلك وثمرته، وهو يوم القيامة.
أصول العقائد :
ووجه أخر(١) وهو أن أمهات أصول العقائد ثلاثة : الإيمان بالله، والإيمان برسول الله، والإيمان باليوم الآخر.
وقد انتظمت الآيات المتقدمة تقرير الأصل الثاني(٢) بالقسم عليه على ما تقدم من البيان(٣). وانتظمت الأصل الأول ضمنا بذكر العزيز الرحيم.
فجاءت هذه الآية لتقرير الأصل الثالث.
سؤال :
كيف يذكر الأصل الأول – وهو الأصل الأول – إلا بما ذكر به من الذكر الضمني ؟
الجواب :
ذلك لأمرين :
الأول : أن هذه الأصول الثلاثة تذكر في أول السور، غير أن بعض السور تخصص بالحديث على بعض الأصول أكثر من غيره، و لا يذكر فيها غيره إلا ضمنا كما هنا.
الثاني : أن تقرير الأصل الثاني هو تقرير للأصل الأول ؛ إذ جميع دلائل النبوة، دلائل على وجود الخالق وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته.
المفردات :
الأحياء : إيجاد الحياة في الجسم : و لا يكون إلا من الله.
والميت : الجسم الذي يقبل الحياة ولا حياة فيه، سواء أكانت وزالت، أم لم تكن فيه بعد كالجنين قبل نفخ الروح فيه.
التراكيب :
أكدت الجملة لأن الخطاب مع منكري البعث والنشور(٤). وأكد اسم إن بنحن ليفيد الاختصاص، فهو المحيي دون غيره.
وعبر عن نحيي فعلا مضارعا ليفيد تجديد الإحياء واستمراره، فيشمل إحياءه للأجنة في الدنيا، وإحياءه الإحياء الثاني في الأخرى. وكثيرا ما جاء في القرآن الاستدلال على الإحياء الثاني بالإحياء الأول، فتكون كلمة ( نحيي ) قد اشتملت على العقيدة وهي الإحياء الثاني، ودليلها وهو الإحياء الأول.
المعنى :
يعرف الله – تعالى – عباده بأنه هو الذي يحيي الموتى دون غيره، ويذكرهم بما يشاهدونه من ذلك فيهم، وهم أجنة في بطون أمهاتهم ؛ فيؤمنون بأنه يحييهم كذلك بعد موتهم، فيستعدون من حياتهم الأولى لحياتهم الثانية.
إحصاء الأعمال المباشرة وغير المباشرة :
" ونكتب ما قدموا وآثارهم "
المناسبة :
لما أعلم الخلق بأنهم يحيون بعد الموت، أعلمهم بأن أعمالهم المباشرة وغير المباشرة مكتوبة عليهم. لأن حياتهم بعد الموت، لنيل جزاء ما كتب عليهم من أعمالهم.
المفردات :
( قدم الشيء ) : جعله قدامه. وأعمال المرء التي يباشرها قدمها قبله في طريقه إلى الآخرة، فهي محفوظة حتى يلحقها.
( والأثر ) : ما يحصل من العمل، كالذي يحصل على وجه التراب من وضع الأقدام ويبقى بعد رفعها الإنسان ما يحصل من أعماله التي باشرها.
التراكيب :
عبر ( بنكتب ) : مضارعا ليفيد التجدد والاستمرار، فما من عمل أو أثر يتجدد إلا ويكتب.
وأسند الكتابة إليه، والكاتبون الملائكة، لأنهم بأمره يكتبون.
المعنى :
يعلم الله – تعالى – عباده بأنه يكتب كل أعمالهم التي يعملونها ويباشرونها بأنفسهم.
ويكتب كذلك ما يعمله غيرهم، إذا كان متسببا عن أعمالهم وأثرا لها
تنظير :
مثل هذه الآية – في الدلالة على أن العبد مؤاخذ بما عمل مباشرة، وما عمله غيره، وكان من آثار عمله – قوله تعالى :
" ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر " (٥)فالذي أخره، هو أثره المذكور هذه الآية.
تأييد وبيان :
في صحيح مسلم من طريق جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – قال :
" جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة، فحث الناس على الصدقة فأبطأوا عنه ؛ حتى رؤي ذلك في وجهه.
قال : ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - :
" من سن في الإسلام حسنة فعمل بها بعده، كتب عليه مثل أجر من عمل بها، و لا ينقص من أجورهم شيء.
ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده، كتب عليه وزر من عمل بها و لا ينقص من أوزارهم شيء ".
وفيه من طريق أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – قال :" من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا.
ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ".
فتأيد بهذين الحديثين فهم المعنى المتقدم من الآية، وهو أن العبد له وعليه من آثار أعماله مما لم يباشره بنفسه، مثل ما له وما عليه من أعماله التي يباشرها.
وبين الحديث الأول : أن ما تسبب عن عمل المرء يعد أثرا لعمله عندما يعمل به في حياته مثلما يعمل به بعد مماته، إذ الذي جاء بالصرة أولا قد تسبب في مجيئه مجيء من بعده على إثره، والحديث سبق في شأنهم ؛ فتكون حالتهم أول ما يشمل.
كما بين الحديث الثاني : إن أثر القول كأثر الفعل، إذ الكل عمل.
وبين الحديثان : أن نيل المرء جزاء عمله الذي لم يباشره لا ينقص من جزاء العامل المباشر شيئا.
تنبيه :
من صورة الواقعة التي ورد فيها الحديث الأول علمنا : أن المراد بمن سن سنة حسنة أو سيئة، هو من ابتدأ طريقا من الخير في أعمل البر والإحسان، وما ينتفع به الناس من شؤون الحياة. ولا يشمل ذلك ما يحدثه المحدثون من البدع في العبادات من الزيادات والاختراعات ؛ إذ الزيادة على ما وضعه الشرع من العبادات وحدده افتيات عليه، واستنقاص ه. وهذه هي البدعة التي قال فيها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – " كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ".
تحذير :
على العاقل – وقد علم أنه محاسب على أفعاله وعلى آثار أقواله – ألا يفعل فعلا، ولا يقول قولا حتى ينظر في عواقبه، فقد تكون تلك العواقب أضر عليه، من أصل القول وأصل الفعل : فقد يقول القول مرة، ويفعل الفعل مرة، ثم يقتدي به فيه آلاف عديدة في أزمنة متطاولة.
حقا إن هذا لشيء تنخلع منه القلوب، وترتعد منه الفرائص، وصدق القائل من السلف رضي الله عنهم :( السعيد من ماتت معه سيئاته ).
الإحصاء العام في الكتاب الإمام :
" وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ".
المناسبة :
لما أعلم العباد بأنه يكتب لهم وعليهم أعمالهم، أعلمهم بأنه تعالى قد كتب كل الأشياء لا خصوص أعمالهم تعميما بعد تخصيص.
المفردات :
( الإحصاء ) : تحصيل الشيء بالعد وضبطه والإحاطة به.
( الإمام ) : ما يؤتم و يقتدى به، والكتاب إمام لأنه يتبع فيؤخذ بما فيه ويعتمد عليه.
و ( المبين ) : المظهر لما فيه، فكل ما فيه ظاهر فيه.
التراكيب :
أصل الكلام : أحصينا كل شيء : أحصيناه. فحذف أحصينا الأول لدلالة الثاني، فكان هذا أقوى في ثبوت الإحصاء وقوعه على كل شيء.
المعنى :
يعلم الله العباد بأنه حصل كل شيء من ذوات وأقوال وأفعال، وجميع ما كان في العالم وما يكون : وأثبته فردا فردا في كتاب إمام معتمد، مظهر للأشياء التي فيه، فهي ثابتة ظاهرة جلية.
اعتبار :
فقد أحاط اله بكل شيء علما، فهو غني بعلمه عن هذه الكتابة، ولكنه جعل هذا الكتاب.
إظهارا لعظمة ملكه.
وليعلم عباده الضبط والإحصاء في جميع أمورهم.
وليبالغوا في محاسبة أنفسهم(٦).
وليعلموا أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم ؛ فيزول من قلوبهم الخوف من الحوادث والمخلوقات وتعظم ثقتهم بالله.
وفي ذلك أعظم قوة في هذه الحياة، وأكبر راحة للقلب من صروفها.
نسأل الله سبحانه أن يقوي قلوبنا بالإيمان، وأن يريحنا باليقين، وأن يعيذنا من الخوف إلا منه، ومن الخضوع إلا له آمين يا رب العالمين.
٢ الإيمان بالرسول هو الأصل الأول والثاني هو الإيمان بالله..
٣ القسم بقوله تعالى :" (يس ) والقرآن الحكيم..
٤ فجاء التأكيد بإنا مراعاة لمقتضى حال الخطاب..
٥ سورة القيامة – الآية : ١٣..
٦ " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ".
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي