الى الدنيا فينتقمون من أعدائهم ويملأون الأرض قسطا كما ملئت جورا وذلك القول مخالف للنص نعم ان روحانية على رضى الله عنه من وزراء المهدى فى آخر الزمان على ما عليه اهل الحقائق ولا يلزم من ذلك محذور قطعا لان الأرواح تعين الأرواح والأجسام فى كل وقت وحال فاعرف هذا وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ان نافية وتنوين كل عوض عن المضاف اليه. ولما بمعنى الا. وجميع فعيل بمعنى مفعول جمع بين كل وجميع لان الكل يفيد الإحاطة دون الاجتماع والجميع يفيد ان المحشر يجمعهم. ولدينا بمعنى عندنا ظرف لجميع او لما بعده. والمعنى ما كل الخلائق الا مجموعين عندنا محضرون للحساب والجزاء وهذه الآية بيان لرجوع الكل الى المحشر بعد بيان عدم الرجوع الى الدنيا وان من مات ترك على حاله ولو لم يكن بعد الموت بعث وجمع وحبس وعقاب وحساب لكان الموت راحة للميت ولكنه يبعث ويسأل فيكرم المؤمن والمخلص والصالح والعادل ويهان الكافر والمنافق والمرائى والفاسق والظالم فيفرح من يفرح ويتحسر من يتحسر فللعباد موضع التحسر ان لم يتحسروا اليوم واعلم انه غلبت على اهل زماننا مخالفة اهل الحق ومعاداة اولياء الله واستهزاؤهم ألا ترون انهم يستمعون القول من المحققين فيتبعون اقبحه ويقعون فى اولياء الله ويستهزئون بهم وبكلماتهم المستحسنة الا من يشاء الله به خيرا من اهل النظر وارباب الارادة وقليل ما هم فكما ان الله تعالى هدد كفار الشريعة فى هذا المقام من طريق العبارة كذلك هدد كفار الحقيقة من طريق الاشارة فانه لم يفت منهم أحد ولم ينفلت من قبضة القدرة الى يومنا هذا ولم يكن لواحد منهم عون ولا مدد وكلهم رجعوا اليه واحضروا لديه وعوتبوا بل عوقبوا على ما هم عليه ثم اعلم ان الله تعالى جعل هذه الامة آخر الأمم فضلا منه وكرما ليعتبروا بالماضين وما جعلهم عبرة لامة اخرى وانه تعالى قد شكا لهم من كل امة وما شكا الى أحد من غيرهم شكايتهم الا ما شكا الى نبيهم المصطفى ﷺ ليلة المعراج كما قال عليه السلام (شكا ربى من أمتي شكايات. الاولى انى لم أكلفهم عمل الغد وهم يطلبون منى رزق الغد. والثانية انى لا ادفع أرزاقهم الى غيرهم وهم يدفعون عملهم الى غيرى. والثالثة انهم يأكلون رزقى ويشكرون غيرى ويخونون معى ويصالحون خلقى. والربعة ان العزة لى وانا المعز وهم يطلبون العز من سواى. والخامسة انى خلقت النار لكل كافر وهم يجتهدون ان يوفعوا أنفسهم فيها)
| فغان از بديها كه در نفس ماست | نه فعل نكو هست نه كفتار راست |
| دو خواهنده بودن بمحشر فريق | ندانم كدامين دهندم طريق |
| خدايا دو چشمم ز باطل بدوز | بنورم كه فردا بنارت مسوز |
فقال أحييناها والاحياء فى الحقيقة إعطاء الحياة وهى صفة تقتضى الحس والحركة والمعنى هاهنا هيجنا القوى النامية فيها وأحدثنا نضارتها بانواع النباتات فى وقت الربيع بانزال الماء من بحر الحياة وكذلك النشور فانا نحيى الأبدان البالية المتلاشية فى الأجداث بانزال ورشحات من بحر الجود فنعيدهم احياء كما ابدعناهم اولا من العدم وَأَخْرَجْنا مِنْها اى من الأرض حَبًّا الحب الذي يطحن والبزر الذي يعصر منه الدهن وهو جمع حبة والمراد جنس الحبوب التي تصلح قواما للناس من الارز والذرة والحنطة وغيرها فَمِنْهُ اى فمن الحب يَأْكُلُونَ تقديم الصلة ليس لحصر جنس المأكول فى الحب حتى يلزم ان لا يؤكل غيره بل هو لحصر معظم المأكول فيه فان الحب معظم ما يؤكل ويعاش به ومنه صلاح الانس حتى إذا قلّ قلّ الصلاح وكثر الضر والصياح وإذا فقد فقد النجاح باختلال الأشباح والأرواح ولامر ما قال عليه السلام (أكرموا الخبز فان الله أكرمه فمن أكرم الخبز أكرمه الله) وقال عليه السلام (أكرموا الخبز فان الله سخر له بركات السموات والأرض والحديد والبقر وابن آدم ولا تسندوا القصعة بالخبز فانه ما اهانه قوم الا ابتلاهم الله بالجوع) وقال عليه السلام (اللهم متعنا بالإسلام وبالخبز فلولا الخبز ما صمنا ولا صلينا ولا حججنا ولا غزونا وارزقنا الخبز والحنطة) كما فى بحر العلوم قال فى شرعة الإسلام ويكرم الخبز بأقصى ما يمكن فانه يعمل فى كل لقمة يأكلها الإنسان من الخبز ثلاثمائة وستون صانعا أولهم ميكائيل الذي يكيل الماء من خزانة الرحمة ثم الملائكة التي تزجر السحاب والشمس والقمر والافلاك وملائكة الهواء ودواب الأرض وآخرهم الخباز: قال الشيخ سعدى قدس سره
| ابر وباد ومه وخورشيد وفلك در كارند | تا تو نانى بكف آرى وبغفلت نخورى |
| همه از بهر تو سر كشته وفرمان بردار | شرط انصاف نباشد كه تو فرمان نبرى |
وذلك لانها أول شجرة استقرت على وجه الأرض وهى عمتنا لانها خلقت من فضل طينة آدم عليه السلام وهى تشبه الإنسان من حيث استقامة قدّها وطولها وامتياز ذكرها من بين النبات واختصاصها باللقاح ورائحة طلعها كرائحة المنى ولطلعها غلاف كالمشيمة التي يكون الولد فيها ولو قطع رأسها ماتت كما قالوا اقرب الجماد الى النبات المرجان لانه ينبت فى البحر كالنبات ويكون له أغصان واقرب النبات الى الحيوان النخل لانها تموت بقطع رأسها ولا تثمر بدون اللقاح كما ذكر واقرب الحيوان الى الإنسان الفرس: يعنى [از حيثيت شعور وزيركى] ويرى المنامات كبنى آدم ولو أصاب جمار النخلة آفة هلكت والجمار من النخلة كالمخ من الإنسان وإذا تقارب ذكورها وإناثها حملت حملا كثيرا لانها تستأنس بالمجاورة وإذا كانت ذكورها بين إناثها القحتها بالريح وربما قطع الفها من الذكور فلا تحمل لفراقه ويعرض لها العشق وهو ان تميل الى نخلة اخرى ويخف حملها وتهزل وعلاجه ان يشد بينها وبين معشوقها الذي مالت اليه بحبل او يعلق عليها سعفة منه او يجعل فيها من طلعه ومن خواص النخلة ان مضغ خوصها يقطع رائحة الثوم وكذا رائحة الخمر واما العنب فقد جاء فى بعض الكتب المنزلة أتكفرون بي وانا خالق العنب وله خواص كثيرة وكذا الزبيب روى انه اهدى الى رسول الله ﷺ الزبيب فقال (بسم الله كلوا نعم الطعام الزبيب يشد العصب ويذهب الوصب ويطفئ الغضب ويرضى الرب ويطيب النكهة ويذهب البلغم ويصفى اللون) وماء الكرم الذي يتقاطر من قضبانها بعد كسحها ينفع للجرب شربا ويجمع ويسقى للمشغوف بالخمر بعد شرب الخمر من غير علمه فيبغض الخمر قطعا وأول من استخرج الخمر جمشيد الملك فانه توجه مرة الى الصيد فرأى فى بعض الجبال كرمة وعليها عنب فظنها من السموم فامر بحملها حتى يجرّ بها ويطعم العنب لمن يستحق القتل فحملوه فتكسرت حباته فعصروها وجعلوا ماءها فى ظرف فما عاد الملك الى قصره إلا وقد تخمر العصير فاحضر رجلا وجب عليه القتل فسقاه من ذلك فشربه بكره ومشقة ونام نومة ثقيلة ثم انتبه وقال اسقوني منه فسقوه ايضا مرارا فلم يحدث فيه الا السرور والطرب فسقوا غيره وغيره فذكروا انهم انبسطوا بعد ما شربوه ووجدوا سرورا وطربا فشرب الملك فاعجبه ثم امر بغرسه فى سائر البلاد وكانت الخمر حلالا فى الأمم السالفة فحرمها الله تعالى علينا لانها مفتاح لكل شر وجالبة لكل سوء وضرّ ومميتة للقلب ومسخطة للرب وفى الحديث (خير خلكم خل خمركم) وذلك لان انقلاب الخمر الى الخل مرضاة للرب وفيه خواص كثيرة واكثر الناس السعال والتنحنح فى مجلس معاوية فامر بشرب
خل الخمر والخل ورد فيه (نعم الادام) وقد تعيش به كثير من السلف الكرام نسأل لله القناعة على الدوام وَفَجَّرْنا الفجر شق الشيء شقا واسعا كما فى المفردات قال بعضهم التفجير كالتفتيح لفظا ومعنى وبناء التفعيل للتكثير: والمعنى بالفارسية [در كشاديم وروانه كرديم] فِيها اى فى الأرض مِنَ الْعُيُونِ جمع عين وهى فى الأصل الجارحة ويقال لمنبع الماء عين تشبيها بها فى الهيئة وفى سيلان الماء منها ومن عين الماء اشتق ماء معين اى ظاهر للعيون ومعنى من العيون من ماء العيون فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه او العيون
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء