لا الشمس ينبغي لها أي يصح لها ويتيسر أن تدرك القمر قال البيضاوي أي في سرعة سيره وهذا مبني على ما قالت الفلاسفة إن القمر أسرع سيرا من الشمس فإن دورها يتم في شهر ودور الشمس يتم في سنة وعندي الأمر بالعكس كما سنبين إن شاء الله تعالى فالأولى أن لا يقيد السير بالسرعة بل يقال الشمس لا تدرك القمر في سيره المخصوص حتى يتحد سيرهما فإن ذلك يخل بتكون النباتات وتعيش الحيوانات أوفي آثاره ومنافعه أو مكانه بالنزول إلى محله أو سلطانه فتطمس نوره، قلت : وجاز أن يكون المراد بالشمس النهار وبالقمر الليل وهذا يستقيم المقابلة يعني لا ينبغي للنهار أن يدرك الليل أي يسبقها ولا الليل سابق النهار أي هما يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته كذا تستفاد من كلام البغوي وكل التنوين عوض المضاف إليه أي كل واحد منهما، وقال البيضاوي تقديره كلهم والضمير للشموس والأقمار فإن اختلاف الأحوال يوجب تعددا ما في الذات ولو بالاعتبار أو إلى الكواكب فإن ذكرهما مشعر بها وفي فلك واحد من الأفلاك وهي السماء الدنيا بدليل قوله تعالى : زينا السماء الدنيا بمصابيح ١ يسبحون كما يسبح السمك في الماء.
وهذا صريح في أن الشمس والقمر والكواكب سائرة في الفلك بقسر قاسرة من الملائكة أو بالإرادة لا أنها مرتكزة في السماء كالمسامير لا تتحرك إلا بتحرك السماء حركة وضعية كما يقول به الفلاسفة بناء على أن السباحة يستلزم الخرق والالتئام وزعموا أنه محال، فاستدلوا بتعدد الحركات للكواكب على تعدد السماوات على حسب تعدد الحركات فقالوا السماوات تسعة كلها منطبقة بعضها على بعض مثل قشور البصل وقالوا السماء التاسع الذي هو حاد للجميع يتحرك من المشرق إلى المغرب على منطقة وقطبين بحيث يتم دائرة سيره في كل يوم وليلة مرة تقريبا وسائر. . . . . . السماوات تسير بسيره قسرا ولكل منها حركة بالطبع من المغرب إلى المشرق على منطقة أخرى وقطبين آخرين ويحصل التقاطع بين الأقطاب الأربعة قطبي فلك الثوابت وقطبي فلك الأفلاك والشمس يلازم لمنطقة فلك الثوابت وينقسم منطقة فلك الثوابت إلى إثني عشر حصة يسمون كل حصة منها برجا ويسمون ذلك الفلك فلك البروج، قالوا ذلك لما رأوا أن الكواكب لا يتم دائرة سيرها في يوم وليلة، ولما رأوا أن الكواكب كلها غير السبعة التي يسمونها سيارات لا يختلف نسبة بعضها مع بعض قط وأن سيرها ينقص من الدائرة في اليوم والليلة قليلا غاية القلة جدا حكموا بأن كلها مرتكزة في فلك واحد وهي السماء الثامنة فلك البروج وإن سيرها كان لا سير ولذا سموها ثوابت وفلكها فلك الثوابت، ولما رأوا السبعة ينقص سيرها في اليوم والليل من الدائرة نقصانا ظاهرا بحيث يرون القمر يسير في ثلاثين يوما أو تسعة وعشرون دائرة والشمس تسير في ثلاث مائة وخمس وستين يوما ثلاث مائة وأربعا وستين دائرة وهكذا أن أفلاكها سبعة كلها سائرة من المغرب إلى المشرق ولأجل ذلك يرى سيرها في اليوم والليلة ناقصة من الدائرة وكلما رأوا نقصان سيرها من الدائرة أزيد حكموا بكون سيرها أسرع فقالوا فلك القمر أسرع سيرا فإن سيرها إلى المشرق يقطع الدائرة في شهر وفلك الشمس يقطع في سنة ثلاث مائة وخمس وستين يوما وهكذا حكموا في سائر السيارات، ولما رأوا خمسا من الكواكب العطارد والزهرة والمشتري والمريخ والزحل تارة سيرها أزيد من دائرة وتارة أنقص من دائرة وتارة سيرها دائرة تامة لا زائد ولا ناقص سموها خمسة متحيرة وأثبتوا لها تدويرات سير أعلاها يخالف سيرا سفلها كل ذلك بين في علم الهيئة.
ولما دلت النصوص القطعية على أن عدد السماوات سبع لا مزيد عليها بحيث يكفر جاحدها وعلى جواز الخرق والالتئام على الأفلاك بحيث يكفر جاحدها أيضا بل على وقوعها حيث قال الله تعالى : إذا السماء انشقت إذا السماء انفطرت وانشق القمر ٢ ونحو ذلك، ودلت الأحاديث الصحيحة على أن السماوات غير منطبقة بعضها على بعضها بل بين كل منها مسافة بعيدة بحيث يفسق جاحدها روى أحمد والترمذي عن أبي هريرة مرفوعا حديثا طويلا وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم " بعدما بين الأرض والسماء وبين كل سماءين خمس مائة سنة " ٣ وروى الترمذي وأبو داوود عن العباس بن عبد المطلب مرفوعا حديثا طويلا ذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم " بعدما بين الأرض والسماء وبين كل سمائين إما واحدة وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة " ٤ ولعل اختلاف ذلك باعتبار اختلاف سير السائرين سرعة وبطوءا وجب القول ببطلان علم الهيئة وبأن من اعتقدها يخاف عليه الكفر بالكتاب والسنة وإذا ظهر جواز الخرق والالتئام في السماوات لا مانع أن يقال أن الكواكب كلها في السماء الدنيا كما ينطق به قوله تعالى : وزينا السماء الدنيا بمصابيح ٥ وإن كلا منها في فلك يسبحون وأن سير أكثرها على مقدار واحد قريبا من الدائرة التامة وسير سبعة فيها على مقادير مختلفة على حسب ما يرى ولا مانع من القول بأن الخمسة تارة يسير زائدا وتارة ناقصا على حسب إرادة الله تعالى وهي الخنس الجواري الكنس والله أعلم بحقيقة الحال
٢ سورة القمر الآية: ١..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب : تفسير القرآن، باب : ومن سورة الحديد ٣٢٩٨
.
٤ أخرجه الترمذي في كتاب : تفسير القرآن، باب : ومن سورة الحاقة ٣٣٢٠، وأخرجه أبو داود في كتاب : السنة، باب : في الجهمية ٤٧١٠.
.
٥ سورة فصلت، الآية: ١٢..
التفسير المظهري
المظهري