ﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃ

وَقَوْلُهُ: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ أَيْ رَجَعَ فِي الدِّقَّةِ إِلَى حَالَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِنْ قَبْلُ.
وَالْعُرْجُونُ مِنَ الِانْعِرَاجِ يُقَالُ لِعُودِ الْعَذْقِ عُرْجُونٌ، وَالْقَدِيمُ الْمُتَقَادِمُ الزَّمَانِ، قِيلَ إِنَّ مَا غَبَرَ عَلَيْهِ سَنَةٌ فَهُوَ قَدِيمٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ بِعَيْنِهَا لَا تُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ إِطْلَاقِ الْقَدِيمِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْعَادَةُ، حَتَّى لَا يُقَالَ لِمَدِينَةٍ بُنِيَتْ مِنْ سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ إِنَّهَا بِنَاءٌ قَدِيمٌ أَوْ هِيَ قَدِيمَةٌ/ وَيُقَالُ لِبَعْضِ الْأَشْيَاءِ إِنَّهُ قَدِيمٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَنَةٌ، وَلِهَذَا جَازَ أَنْ يُقَالَ بَيْتٌ قَدِيمٌ وَبِنَاءٌ قَدِيمٌ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ فِي الْعَالَمِ إِنَّهُ قَدِيمٌ، لِأَنَّ الْقِدَمَ فِي الْبَيْتِ وَالْبِنَاءِ يَثْبُتُ بِحُكْمِ تَقَادُمِ الْعَهْدِ وَمُرُورِ السِّنِينَ عَلَيْهِ، وَإِطْلَاقُ الْقَدِيمِ عَلَى الْعَالَمِ لَا يُعْتَادُ إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا أول له ولا سابق عليه. ثم قال تعالى:
[سورة يس (٣٦) : آية ٤٠]
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)
إِشَارَةً إِلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ خُلِقَ «١» عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ، فَالشَّمْسُ لَمْ تَكُنْ تَصْلُحُ لَهَا سُرْعَةُ الْحَرَكَةِ بِحَيْثُ تُدْرِكُ الْقَمَرَ وَإِلَّا لَكَانَ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ صَيْفٌ وَشِتَاءٌ فَلَا تُدْرَكُ الثِّمَارُ وَقَوْلُهُ: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ إِنَّ سُلْطَانَ اللَّيْلِ وَهُوَ الْقَمَرُ لَيْسَ يَسْبِقُ الشَّمْسَ وَهِيَ سُلْطَانُ النَّهَارِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارَ أَيِ اللَّيْلُ لَا يَدْخُلُ وَقْتَ النَّهَارِ وَالثَّانِي بَعِيدٌ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ إِيضَاحًا لِلْوَاضِحِ وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ إِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا بَيَّنْتُهُ وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أَنَّ الْقَمَرَ إِذَا كَانَ عَلَى أُفُقِ الْمَشْرِقِ أَيَّامَ الِاسْتِقْبَالِ تَكُونُ الشَّمْسُ فِي مُقَابَلَتِهِ عَلَى أُفُقِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ إِنَّ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَطْلُعُ الْقَمَرُ وَعِنْدَ طُلُوعِهَا يَغْرُبُ الْقَمَرُ، كَأَنَّ لَهَا حَرَكَةً وَاحِدَةً مَعَ أَنَّ الشَّمْسَ تَتَأَخَّرُ عَنِ الْقَمَرِ فِي لَيْلَةٍ مِقْدَارًا ظَاهِرًا فِي الْحِسِّ، فَلَوْ كَانَ لِلْقَمَرِ حَرَكَةٌ وَاحِدَةٌ بِهَا يَسْبِقُ الشَّمْسَ وَلَا تُدْرِكُهُ الشَّمْسُ وَلِلشَّمْسِ حَرَكَةٌ وَاحِدَةٌ بِهَا تَتَأَخَّرُ عَنِ الْقَمَرِ وَلَا تُدْرِكُ الْقَمَرَ لَبَقِيَ الْقَمَرُ وَالشَّمْسُ مُدَّةً مَدِيدَةً فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ حَرَكَةَ الشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ دَرَجَةٌ فَخَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَمِيعِ الْكَوَاكِبِ حَرَكَةً أُخْرَى غَيْرَ حَرَكَةِ الشَّهْرِ وَالسَّنَةِ، وَهِيَ الدَّوْرَةُ الْيَوْمِيَّةُ وَبِهَذِهِ الدَّوْرَةِ لَا يَسْبِقُ كَوْكَبٌ كَوْكَبًا أَصْلًا، لِأَنَّ كُلَّ كَوْكَبٍ مِنَ الْكَوَاكِبِ إِذَا طَلَعَ غَرُبَ مُقَابِلُهُ وَكُلَّمَا تَقَدَّمَ كَوْكَبٌ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الْكَوْكَبُ الْآخَرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ الْكَوْكَبُ، فبهذه الحركة لا يسبق القمر الشَّمْسَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ سُلْطَانَ اللَّيْلِ لَا يَسْبِقُ سُلْطَانَ النَّهَارِ فَالْمُرَادُ مِنَ اللَّيْلِ الْقَمَرُ وَمِنَ النَّهَارِ الشَّمْسُ، فَقَوْلُهُ: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ إِشَارَةٌ إِلَى حَرَكَتِهَا الْبَطِيئَةِ الَّتِي تُتِمُّ الدَّوْرَةَ فِي سَنَةٍ وَقَوْلُهُ: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ إِشَارَةٌ إِلَى حَرَكَتِهَا الْيَوْمِيَّةِ الَّتِي بِهَا تَعُودُ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَشْرِقِ مَرَّةً أُخْرَى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَعَلَى هَذَا فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: مَا الْحِكْمَةُ فِي إِطْلَاقِ اللَّيْلِ وَإِرَادَةِ سُلْطَانِهِ وَهُوَ الْقَمَرُ، وَمَاذَا يَكُونُ لَوْ قَالَ وَلَا الْقَمَرُ سَابِقُ الشَّمْسِ؟ نَقُولُ لَوْ قَالَ وَلَا الْقَمَرُ سَابِقُ الشَّمْسِ مَا كَانَ يُفْهَمُ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى الْحَرَكَةِ الْيَوْمِيَّةِ فَكَانَ يُتَوَهَّمُ التَّنَاقُضُ، فَإِنَّ الشَّمْسَ إِذَا كانت لا تدرك القمر والقمر أَسْرَعَ ظَاهِرًا، وَإِذَا قَالَ/ وَلَا الْقَمَرُ سَابِقٌ يُظَنُّ أَنَّ الْقَمَرَ لَا يَسْبِقُ فَلَيْسَ بِأَسْرَعَ، فَقَالَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى الْحَرَكَةِ الَّتِي بِهَا تَتِمُّ الدَّوْرَةُ فِي مُدَّةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَيَكُونُ لِجَمِيعِ الْكَوَاكِبِ أَوْ عَلَيْهَا طُلُوعٌ وَغُرُوبٌ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ وَقَوْلِهِ:

(١) في الطبعة الأميرية «خلقها» وهو تحريف واضح.

صفحة رقم 278

وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، وَلَمْ يَقُلْ وَلَا اللَّيْلُ يَسْبِقُ وَلَا قَالَ مُدْرِكَةُ الْقَمَرِ؟ نَقُولُ الْحَرَكَةُ الْأَوَّلِيَّةُ الَّتِي لِلشَّمْسِ، وَلَا يُدْرَكُ بِهَا الْقَمَرُ مُخْتَصَّةٌ بِالشَّمْسِ، فَجَعَلَهَا كَالصَّادِرَةِ مِنْهَا، وَذُكِرَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ لِأَنَّ صِيغَةَ الْفِعْلِ لَا تُطْلَقُ عَلَى مَنْ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ الْفِعْلُ فَلَا يُقَالُ هُوَ يَخِيطُ وَلَا يَكُونُ يَصْدُرُ مِنْهُ الْخِيَاطَةُ. وَالْحَرَكَةُ الثَّانِيَةُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِكَوْكَبٍ مِنَ الْكَوَاكِبِ بَلِ الْكُلُّ فِيهَا مشتركة بسبب حركة فلك ليس ذَلِكَ فَلَكًا لِكَوْكَبٍ مِنَ الْكَوَاكِبِ، فَالْحَرَكَةُ لَيْسَتْ كَالصَّادِرَةِ مِنْهُ فَأَطْلَقَ اسْمَ الْفَاعِلِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ صُدُورَ الْفِعْلِ يُقَالُ فُلَانٌ خَيَّاطٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَيَّاطًا، فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً [الْأَعْرَافِ: ٥٤] يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرْتُمْ، لِأَنَّ النَّهَارَ إِذَا كَانَ يَطْلُبُ اللَّيْلَ فَاللَّيْلُ سَابِقُهُ، وَقُلْتُمْ إِنَّ قَوْلَهُ: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْتُمْ فَيَكُونُ اللَّيْلُ سَابِقًا وَلَا يَكُونُ سَابِقًا، نقول قد ذكرنا أن المراد بالليل هاهنا سُلْطَانُ اللَّيْلِ وَهُوَ الْقَمَرُ، وَهُوَ لَا يَسْبِقُ الشَّمْسَ بِالْحَرَكَةِ الْيَوْمِيَّةِ السَّرِيعَةِ، وَالْمُرَادُ مِنَ اللَّيْلِ هُنَاكَ نَفْسُ اللَّيْلِ وَكُلُّ وَاحِدٍ لَمَّا كَانَ فِي عَقِيبِ الْآخَرِ فَكَأَنَّهُ طَالِبُهُ، فَإِنْ قِيلَ فلم ذكر هاهنا سابِقُ النَّهارِ وَقَدْ ذَكَرَ هُنَاكَ يَطْلُبُهُ، وَلَمْ يَقُلْ طَالِبُهُ؟ نَقُولُ ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ اللَّيْلِ كواكب اللَّيْلِ، وَهِيَ فِي هَذِهِ الْحَرَكَةِ كَأَنَّهَا لَا حَرَكَةَ لَهَا وَلَا تَسْبِقُ، وَلَا مِنْ شَأْنِهَا أَنَّهَا سَابِقَةٌ، وَالْمُرَادُ هُنَاكَ نَفْسُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمَا زَمَانَانِ وَالزَّمَانُ لَا قَرَارَ لَهُ فَهُوَ يُطْلَبُ حَثِيثًا لِصُدُورِ التَّقَصِّي مِنْهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يُحَقِّقُ مَا ذَكَرْنَا أَيْ لِلْكُلِّ طُلُوعٌ وَغُرُوبٌ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الْحَرَكَةِ وَكُلُّ حَرَكَةٍ فِي فَلَكٍ تَخُصُّهُ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: التَّنْوِينُ فِي قَوْلِهِ (وَكَلٌّ) عِوَضٌ عَنِ الْإِضَافَةِ مَعْنَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ وَإِسْقَاطُ التَّنْوِينِ لِلْإِضَافَةِ حَتَّى لَا يَجْتَمِعَ التَّعْرِيفُ وَالتَّنْكِيرُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَلَمَّا سَقَطَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ لَفْظًا رُدَّ التَّنْوِينُ عَلَيْهِ لَفْظًا، وَفِي الْمَعْنَى مُعَرَّفٌ بِالْإِضَافَةِ، فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ يَخْتَلِفُ الْأَمْرُ عِنْدَ الْإِضَافَةِ لَفْظًا وَتَرْكِهَا؟ فَنَقُولُ نَعَمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ كَذَا لَا يَذْهَبُ الْفَهْمُ إِلَى غَيْرِهِمْ فَيُفِيدُ اقْتِصَارَ الْفَهْمِ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَالَ كُلُّ كَذَا يَدْخُلُ فِي الْفَهْمِ عُمُومٌ أَكْثَرُ مِنَ الْعُمُومِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ «١»، وَهَذَا كَمَا فِي قَبْلُ وَبَعْدُ إِذَا قُلْتَ افْعَلْ قَبْلَ كَذَا فَإِذَا حَذَفْتَ الْمُضَافَ وَقُلْتَ افْعَلْ قَبْلُ أَفَادَ فَهْمُ الْفِعْلِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ بَيْنَ قَوْلِنَا كُلٌّ مِنْهُمْ وَبَيْنَ قَوْلِنَا كُلُّهُمْ وَبَيْنَ كُلٌّ فَرْقٌ؟ نَقُولُ نَعَمْ عِنْدَ قَوْلِكَ كُلُّهُمْ تُثْبِتُ الْأَمْرَ لِلِاقْتِصَارِ عَلَيْهِمْ، وَعِنْدَ قَوْلِكَ كُلٌّ مِنْهُمْ تُثْبِتُ الْأَمْرَ أَوَّلًا لِلْعُمُومِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكْتَ بالتخصيص فقلت منهم، وعند قولك كل تثبت الْأَمْرَ عَلَى الْعُمُومِ وَتَتْرُكُهُ عَلَيْهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ كُلٌّ بِمَعْنَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَالْمَذْكُورُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فَكَيْفَ قَالَ: يَسْبَحُونَ؟
نَقُولُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: مَا بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ كُلٌّ لِلْعُمُومِ فَكَأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ كُلِّ كَوْكَبٍ فِي السَّمَاءِ سَيَّارٍ ثَانِيهَا: إِنَّ لَفْظَ كُلٍّ يَجُوزُ أَنْ يُوَحَّدَ نَظَرًا إِلَى كَوْنِهِ لَفْظًا مُوَحَّدًا غَيْرَ مُثَنًّى وَلَا مَجْمُوعٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ لِكَوْنِ مَعْنَاهُ جَمْعًا، وَأَمَّا التَّثْنِيَةُ فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهَا اللَّفْظُ وَلَا الْمَعْنَى فَعَلَى هَذَا يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو كُلٌّ جَاءَ أَوْ كُلٌّ جَاءُوا وَلَا يَقُولُ كُلٌّ جَاءَا بِالتَّثْنِيَةِ وَثَالِثُهَا: لَمَّا قَالَ: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَالْمُرَادُ مَا فِي اللَّيْلِ مِنَ الْكَوَاكِبِ قَالَ: يَسْبَحُونَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْفَلَكُ مَاذَا؟ نَقُولُ الْجِسْمُ الْمُسْتَدِيرُ أَوِ السَّطْحُ الْمُسْتَدِيرُ أَوِ الدَّائِرَةُ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ فَلَكَةَ الْمِغْزَلِ سُمِّيَتْ فَلَكَةً لِاسْتِدَارَتِهَا وَفَلَكَةُ الْخَيْمَةِ هِيَ الْخَشَبَةُ الْمُسَطَّحَةُ الْمُسْتَدِيرَةُ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى رَأْسِ الْعَمُودِ لِئَلَّا يُمَزِّقَ الْعَمُودُ الْخَيْمَةَ وَهِيَ صَفْحَةٌ مُسْتَدِيرَةٌ، فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هذا تكون السماء مستديرة. وقد

(١) في طبعة بولاق هذا «للافاضافة» وهو خطأ واضح.

صفحة رقم 279

اتَّفَقَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ السَّمَاءَ مَبْسُوطَةٌ لَيْسَ لَهَا أَطْرَافٌ عَلَى جِبَالٍ وَهِيَ كَالسَّقْفِ الْمُسْتَوِي. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ [الطُّورِ: ٥] نَقُولُ لَيْسَ فِي النُّصُوصِ مَا يَدُلُّ دَلَالَةً قَاطِعَةً عَلَى كَوْنِ السَّمَاءِ مَبْسُوطَةً غَيْرَ مُسْتَدِيرَةٍ، وَدَلَّ الدَّلِيلُ الْحِسِّيُّ عَلَى كَوْنِهَا مُسْتَدِيرَةً فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ لِأَنَّ السقف المقبب لا يخرج عن كَوْنِهِ سَقْفًا، وَكَذَلِكَ كَوْنُهَا عَلَى جِبَالٍ، وَأَمَّا الدَّلِيلُ الْحِسِّيُّ فَوُجُوهٌ أَحَدُهَا: إِنَّ مَنْ أَمْعَنَ فِي السَّيْرِ فِي جَانِبِ الْجَنُوبِ يَظْهَرُ لَهُ كَوَاكِبُ مِثْلُ سُهَيْلٍ وَغَيْرُهُ ظُهُورًا أَبَدِيًّا حَتَّى أَنَّ مَنْ يَرْصُدُ يَرَاهُ دَائِمًا وَيَخْفَى عَلَيْهِ بَنَاتُ نَعْشٍ وَغَيْرُهَا خَفَاءً أَبَدِيًّا، وَلَوْ كَانَ السَّمَاءُ مُسَطَّحًا مُسْتَوِيًا لَبَانَ الْكُلُّ لِلْكُلِّ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ مُسْتَدِيرًا فَإِنَّ بَعْضَهُ حِينَئِذٍ يَسْتَتِرُ بِأَطْرَافِ الْأَرْضِ فَلَا يُرَى الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا كَانَتْ مُقَارِنَةً لِلْحَمَلِ «١» مَثَلًا فَإِذَا غَرَبَتْ ظَهَرَ لَنَا كَوْكَبٌ فِي مِنْطَقَةِ الْبُرُوجِ مِنَ الْحَمَلِ إِلَى الْمِيزَانِ ثُمَّ فِي قَلِيلٍ يَسْتَتِرُ الْكَوْكَبُ الَّذِي كَانَ غُرُوبُهُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَيَظْهَرُ الْكَوْكَبُ الَّذِي كَانَ طُلُوعُهُ بعد طلوع الشمس وبالعكس وهو دَلِيلٌ ظَاهِرٌ وَإِنْ بُحِثَ فِيهِ يَصِيرُ قَطْعِيًّا الثَّالِثُ: هُوَ أَنَّ الشَّمْسَ قَبْلَ طُلُوعِهَا وَبَعْدَ غروبها يظهر ضوءها وَيَسْتَنِيرُ الْجَوُّ بَعْضَ الِاسْتِنَارَةِ ثُمَّ يَطْلُعُ وَلَوْلَا أَنَّ بَعْضَ السَّمَاءِ مُسْتَتِرٌ بِالْأَرْضِ وَهُوَ مَحَلُّ الشَّمْسِ فَلَا يُرَى جِرْمُهَا وَيَنْتَشِرُ نُورُهَا لَمَّا كَانَ كَذَا بَلْ كَانَ عِنْدَ إِعَادَتِهَا إِلَى السَّمَاءِ يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ جِرْمُهَا وَنُورُهَا مَعًا لِكَوْنِ السَّمَاءِ مُسْتَوِيَةً حِينَئِذٍ مَكْشُوفَةً كُلُّهَا لِكُلِّ أَحَدٍ الرَّابِعُ: الْقَمَرُ إِذَا انْكَسَفَ فِي سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي جَانِبِ الشَّرْقِ، ثُمَّ سُئِلَ أَهْلُ الْغَرْبِ عَنْ وَقْتِ الْكُسُوفِ أَخْبَرُوا عَنِ الْخُسُوفِ فِي سَاعَةٍ أُخْرَى قَبْلَ تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي رَأَى أَهْلُ الْمَشْرِقِ فِيهَا الْخُسُوفَ لَكِنَّ الْخُسُوفَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ نَوَاحِي الْعَالَمِ وَاللَّيْلُ مُخْتَلِفٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّيْلَ فِي جَانِبِ الْمَشْرِقِ قَبْلَ اللَّيْلِ فِي جَانِبِ الْمَغْرِبِ فَالشَّمْسُ غَرَبَتْ مِنْ عِنْدِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَهِيَ بَعْدُ فِي السَّمَاءِ ظَاهِرَةٌ لِأَهْلِ الْمَغْرِبِ فَعُلِمَ اسْتِتَارُهَا بِالْأَرْضِ وَلَوْ كَانَتْ مُسْتَوِيَةً/ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ الْخَامِسُ: لَوْ كَانَتِ السَّمَاءُ مَبْسُوطَةً لكان القمر عند ما يكون فوق رءوسنا على المسامتة أقرب إلينا وعند ما يَكُونُ عَلَى الْأُفُقِ أَبْعَدَ مِنَّا لِأَنَّ الْعُمُومَ أَصْغَرُ مِنَ الْقُطْرِ وَالْوَتَدِ، وَكَذَلِكَ فِي الشَّمْسِ وَالْكَوَاكِبِ كَانَ يَجِبُ أَنْ يُرَى أَكْبَرَ لِأَنَّ الْقَرِيبَ يُرَى أَكْبَرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ جَازَ أَنْ يَكُونَ وَهُوَ عَلَى الْأُفُقِ عَلَى سطح السماء وعند ما يَكُونُ عَلَى مُسَامَتَةِ رُؤُوسِنَا فِي بَحْرِ السَّمَاءِ غَائِرًا فِيهَا لِأَنَّ الْخَرْقَ جَائِزٌ عَلَى السَّمَاءِ، نَقُولُ لَا تَنَازُعَ فِي جَوَازِ الْخَرْقِ لَكِنَّ الْقَمَرَ حِينَئِذٍ تَكُونُ حَرَكَتُهُ فِي دَائِرَةٍ لَا عَلَى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ وَهُوَ غَرَضُنَا وَلِأَنَّا نَقُولُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْقَمَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَهُوَ فِي مُنْتَصَفِ نَهَارِهِمْ أَكْبَرَ مِقْدَارًا لِكَوْنِهِ قَرِيبًا مِنْ رُؤُوسِهِمْ ضَرُورَةَ فَرْضِهِ عَلَى سَطْحِ السَّمَاءِ الْأَدْنَى وَعِنْدَنَا فِي بَحْرِ السَّمَاءِ، وَبِالْجُمْلَةِ الدَّلَائِلُ كَثِيرَةٌ. وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا يَلِيقُ بِكُتُبِ الْهَيْئَةِ الَّتِي الْغَرَضُ مِنْهَا بَيَانُ ذَلِكَ الْعِلْمِ، وَلَيْسَ الْغَرَضُ فِي التَّفْسِيرِ بَيَانَ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ يَكْفِي فِي بَيَانِ كَوْنِهِ فَلَكًا مُسْتَدِيرًا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ كَوْكَبٍ فَلَكًا، فَمَا قَوْلُكُ فيه؟ نقول: أما السبعة السيارة» «٢» فلكل

(١) الحمل من بروج الشمس الاثني عشر وقد نظمت في قول الشاعر:
حمل الثور جوزة السرطان ورعى الليث سنبل الميزان
ورمى عقرب بقوس لجدي نزح الدلو بركة الحيتان.
(٢) نظم بعضهم السبعة السيارة في بيت وهو:
زحل شرى مريخه من شمسه فتزاهرت لعطارد الأقمار
والمراد من قوله شرى كوكب المشترى: ولم يكن معروفا غير هذه السبعة عند القدماء، وقد اكتشف المحدثون كواكب أخرى جديدة منها نبتون وأورانوس.

صفحة رقم 280

فَلَكٍ، وَأَمَّا الْكَوَاكِبُ الْأُخَرُ فَقِيلَ لِلْكُلٍّ فَلَكٌ وَاحِدٌ، وَلْنَذْكُرْ كَلَامًا مُخْتَصَرًا فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْهَيْئَةِ حَيْثُ وَجَبَ الشُّرُوعُ بِسَبَبِ تَفْسِيرِ الْفَلَكِ فَنَقُولُ: قِيلَ إِنَّ لِلْقَمَرِ فَلَكًا لِأَنَّ حَرَكَتَهُ أَسْرَعُ مِنْ حَرَكَةِ السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ، وَكَذَلِكَ لِكُلِّ كَوْكَبٍ فَلَكٌ لِاخْتِلَافِ سَيْرِهَا بِالسُّرْعَةِ وَالْبُطْءِ وَالْمَمَرِّ، فَإِنَّ بَعْضَهَا يَمُرُّ فِي دَائِرَةٍ وَبَعْضُهَا فِي دَائِرَةٍ أُخْرَى حَتَّى فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ يَمُرُّ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَلَا يَكْسِفُهُ وَفِي بَعْضِ الأوقات يكسفه فلكل كوكب فلك، ثم إن أَهْلُ الْهَيْئَةِ قَالُوا فَكُلُّ فَلَكٍ هُوَ جِسْمُ كُرَةٍ وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ بَلِ اللَّازِمُ أَنْ نَقُولَ لِكُلِّ فَلَكٍ هُوَ كُرَةٌ أَوْ صَفْحَةٌ أَوْ دَائِرَةٌ يَفْعَلُهَا الْكَوْكَبُ بِحَرَكَتِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ الْكَوْكَبَ فِي كُرَةٍ يَكُونُ وُجُودُهُ فِيهَا كَوُجُودِ مِسْمَارٍ مُغْرَقٍ فِي ثِخْنِ كُرَةٍ مُجَوَّفَةٍ وَيُدِيرُ الْكُرَةَ فَيَدُورُ الْكَوْكَبُ بِدَوَرَانِ الْكُرَةِ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَرْبَابِ الْهَيْئَةِ حَرَكَةُ الْكَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَكَذَلِكَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ حَلْقَةً يُحِيطُ بِهَا أَرْبَعُ سُطُوحٍ مُتَوَازِيَةٍ بِهَا فَإِنَّهَا أَرْبَعُ دَوَائِرَ مُتَوَازِيَةٍ كَحَجَرِ الرَّحَى إِذَا قَوَّرْنَاهُ وَأَخْرَجْنَا مِنْ وَسَطِهِ طاحونة وطواحين الْيَدِ وَيَبْقَى مِنْهُ حَلْقَةٌ يُحِيطُ بِهَا سُطُوحٌ وَدَوَائِرُ كَمَا ذَكَرْنَا وَتَكُونُ الْكَوَاكِبُ فِيهِ وَهُوَ فَلَكٌ فَتَدُورُ تِلْكَ الْحَلْقَةُ وَتُدِيرُ الْكَوْكَبَ، وَالْحَرَكَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ كَانَتْ مَقْدُورَةً لَكِنْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ وَكَذَلِكَ هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ الْكَوَاكِبَ بِحَيْثُ تَشُقُّ السَّمَاءَ فَتَجْعَلُ دَائِرَةً مُتَوَهَّمَةً كَمَا لَوْ فرضت سمكة في الماء على وجهه تَنْزِلُ مِنْ جَانِبٍ وَتَصْعَدُ إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ عَلَى اسْتِدَارَةٍ وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ حَرَكَةَ الْكَوَاكِبِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَرْبَابُ الْهَيْئَةِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ وَقَالُوا لَا تَجُوزُ الْحَرَكَةُ/ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِأَنَّ الْكَوْكَبَ لَهُ جِرْمٌ فَإِذَا شَقَّ السَّمَاءَ وَتَحَرَّكَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ دَوَرَانِهِ يَنْشَقُّ وَيَلْتَئِمُ كَالْمَاءِ تُحَرِّكُهُ السَّمَكَةُ أَوْ لَا يَنْشَقُّ وَلَا يَلْتَئِمُ، بَلْ هُنَاكَ خَلَاءٌ يَدُورُ الْكَوْكَبُ فِيهِ، لَكِنَّ الْخَلَاءَ مُحَالٌ وَالسَّمَاءُ لَا تَقْبَلُ الشَّقَّ وَالِالْتِئَامَ، هَذَا مَا اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ كِلَاهُمَا جَائِزٌ. أما الخلاء فلا يحتاج إليه هاهنا، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: يَسْبَحُونَ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ بِشَقٍّ وَالْتِئَامٍ، وَأَمَّا امْتِنَاعُ الشَّقِّ وَالِالْتِئَامِ فَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِ وَشُبْهَتُهُمْ فِي الْمُحَدِّدِ لِلْجِهَاتِ وَهِيَ هُنَاكَ ضَعِيفَةٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَالُوا عَلَى مَا بَيَّنَّا تَخْرُجُ الْحَرَكَاتُ وَبِهِ عَلِمْنَا الْكُسُوفَاتِ، وَلَوْ كَانَ لَهَا حَرَكَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ لَمَا وَجَبَ الْكُسُوفُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُحْكَمُ فِيهِ بِالْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ وَذَلِكَ لِأَنَّا نَقُولُ لِلشَّمْسِ فَلَكَانِ أَحَدُهُمَا: مَرْكَزُهُ مَرْكَزُ الْعَالَمِ ثَانِيهِمَا: مَرْكَزُهُ فَوْقَ مَرْكَزِ الْعَالَمِ وَهُوَ مِثْلُ بَيَاضِ الْبَيْضِ بَيْنَ صُفْرَتِهِ وَبَيْنَ الْقَيْضِ وَالشَّمْسُ كُرَةٌ فِي الْفَلَكِ الْخَارِجِ الْمَرْكَزِ تَدُورُ بِدَوَرَانِهِ فِي السَّنَةِ دَوْرَةً، فَإِذَا جُعِلَتْ فِي الْجَانِبِ الْأَعْلَى تَكُونُ بَعِيدَةً عَنِ الْأَرْضِ فَيُقَالُ إِنَّهَا فِي الْأَوْجِ، وَإِذَا حَصَلَتْ فِي الْجَانِبِ الْأَسْفَلِ تَكُونُ قَرِيبَةً مِنَ الْأَرْضِ فَتَكُونُ فِي الْحَضِيضِ، وَأَمَّا الْقَمَرُ فَلَهُ فَلَكٌ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَأَفْلَاكِهِ وَفَلَكٌ آخَرُ هُوَ بَعْضٌ مِنَ الْفَلَكِ الْأَوَّلِ مُحِيطٌ بِهِ كَالْقِشْرَةِ الْفَوْقَانِيَّةِ مِنَ الْبَصَلَةِ وَفَلَكٌ ثَالِثٌ فِي الْفَلَكِ التَّحْتَانِيِّ كَمَا كَانَ فِي الْفَلَكِ الْخَارِجِ الْمَرْكَزِ فِي فَلَكِ الشَّمْسِ وَفِي الْفَلَكِ الْخَارِجِ الْمَرْكَزِ كُرَةٌ مِثْلُ جِرْمِ الشَّمْسِ وَفِي الْكُرَةِ الْقَمَرُ مَرْكُوزٌ كَمِسْمَارٍ فِي كُرَةٍ مُغْرَقٍ فِيهَا وَيُسَمَّى الْفَلَكُ الْفَوْقَانِيُّ الْجَوْزَهْرَ وَالْخَارِجُ الْمَرْكَزِ الْفَلَكَ الْحَامِلَ وَالْفَلَكُ التَّحْتَانِيُّ الَّذِي فِيهِ الْفَلَكُ الْحَامِلُ الْفَلَكَ الْمَائِلَ وَالْكُرَةُ الَّتِي فِي الْحَامِلِ تُسَمَّى فَلَكَ التَّدْوِيرِ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْكَوَاكِبِ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ مِنَ السَّيَّارَاتِ غَيْرَ أَنَّ الْفَوْقَانِيَّ الَّذِي سَمَّوْهُ فلك الْجَوْزَهْرَ لَمْ يُثْبِتُوهُ لَهَا فَأَثْبَتُوا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ فَلَكًا، الْفَلَكَ الْأَعْلَى وَفَلَكَ الْبُرُوجِ، وَلِزُحَلَ ثَلَاثَةُ أَفْلَاكٍ الْمُمَثِّلُ وَالْحَامِلُ وَفَلَكُ التَّدْوِيرِ، وَلِلْمُشْتَرِي ثَلَاثَةٌ كَمَا لِزُحَلَ، وَلِلْمِرِّيخِ كَذَلِكَ ثَلَاثَةٌ، وَلِلشَّمْسِ فَلَكَانِ الممثل والخارج المركز، وَلِلزُّهْرَةِ ثَلَاثَةُ أَفْلَاكٍ كَمَا لِلْعُلْوِيَّاتِ، وَلِعُطَارِدٍ أَرْبَعَةُ أَفْلَاكٍ الثَّلَاثَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْعُلْوِيَّاتِ، وَفَلَكٌ آخَرُ يُسَمُّونَهُ الْمُدِيرَ، وَلِلْقَمَرِ أَرْبَعَةُ أَفْلَاكٍ وَالرَّابِعُ يُسَمُّونَهُ فَلَكَ الْجَوْزَهْرَ وَالْمُدِيرُ لَيْسَ كَالْجَوْزَهْرِ لِأَنَّ الْمُدِيرَ غَيْرُ مُحِيطٍ بِأَفْلَاكِ عُطَارِدٍ

صفحة رقم 281

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية