وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون٤٥ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين٤٦ وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين ( يس : ٤٥-٤٧ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر أنهم أعرضوا عن النظر في الآيات التي يشاهدونها في الآفاق أردف هذا ذكر إعراضهم عن الآيات المنزلة من عند ربهم مما فيه تحذيرهم بأن يحل بهم من المثلات مثل ما حل بمن قبلهم، ثم أعقبه بذمهم على ترك الشفقة على خلق الله، إذ قيل لهم أنفقوا فلم يفعلوا.
الإيضاح :
وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه أي : وإذا أمروا بالإنفاق مما رزقهم الله على الفقراء والمحاويج من المسلمين قالوا لمن طلب منهم ذلك : لو شاء الله لأغناهم وأطعمهم من رزقه، فنحن نوافق مشيئة الله فيهم.
وفي قوله : مما رزقكم الله، ترغيب في الإنفاق على نهج قوله : وأحسن كما أحسن الله إليك ( القصص ٧٧ ) وتنبيه إلى عظيم جرمهم في ترك الامتثال للأمر، وذم لهم على ترك الشفقة على عباد الله.
وإجمال ذلك إنهم لم يعظموا الخالق ولم يشفقوا على المخلوق.
ثم ذكر أنهم على شحهم وبخلهم عابوا الآمر على الإنفاق ووصفوه بالضلال البين الذي لا شبهة فيه فقال :
إن أنتم إلا في ضلال مبين أي : ما أنتم أيها القوم في قيلكم لنا أنفقوا مما رزقكم الله على مساكينكم- إلا في جور بين وبعد عن سبيل الرشاد لمن تأمل وتدبر.
وهذا معذرة البخلاء في كل عصر ومصر، إذ تراهم دائما يقولون : لا نعطي من حرمه الله وتلك فرية منهم، لأن الله أغنى بعض الخلق، وأفقر بعضا، ابتلاء منه لعباده، ولأسباب نحن لا نعلمها لا بخلا منه وشحا، وأمره الأغنياء بالإنفاق على الفقراء ليس لحاجة منه إلى ما لهم، بل ليبلوهم ويرى أيمتثلون الأمر ويؤدون الواجب، أم ينكصون على أعقابهم ويلوون مدبرين ؟
ولا ينبغي لأحد أن يعترض على مشيئة ربه، لأنه يجهل أسباب ما يشاهد ويرى في الكون.
تفسير المراغي
المراغي