ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ الله أي تصدّقوا على الفقراء مما أعطاكم الله، وأنعم به عليكم من الأموال، قال الحسن : يعني اليهود أمروا بإطعام الفقراء. وقال مقاتل : إن المؤمنين قالوا لكفار قريش : أنفقوا على المساكين مما زعمتم أنه لله من أموالكم من الحرث والأنعام كما في قوله سبحانه : وَجَعَلُواْ للهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً [ الأنعام : ١٣٦ ]، فكان جوابهم ما حكاه الله عنهم بقوله : قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ استهزاءً بهم، وتهكماً بقولهم : أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء الله أَطْعَمَهُ أي من لو يشاء الله رزقه، وقد كانوا سمعوا المسلمين يقولون : إن الرّزّاق هو الله، وأنه يغني من يشاء، ويفقر من يشاء، فكأنهم حاولوا بهذا القول الإلزام للمسلمين، وقالوا : نحن نوافق مشيئة الله، فلا نطعم من لم يطعمه الله، وهذا غلط منهم ومكابرة، ومجادلة بالباطل، فإن الله سبحانه أغنى بعض خلقه، وأفقر بعضاً، وأمر الغنيّ أن يطعم الفقير، وابتلاه به فيما فرض له من ماله من الصدقة. وقولهم : مَن لَّوْ يَشَاء الله أَطْعَمَهُ هو وإن كان كلاماً صحيحاً في نفسه، ولكنهم لما قصدوا به الإنكار لقدرة الله، أو إنكار جواز الأمر بالإنفاق مع قدرة الله كان احتجاجهم من هذه الحيثية باطلاً. وقوله : إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ في ضلال مُّبِينٍ من تمام كلام الكفار. والمعنى : إنكم أيها المسلمون في سؤال المال، وأمرنا بإطعام الفقراء لفي ضلال في غاية الوضوح والظهور. وقيل : هو من كلام الله سبحانه جواباً على هذه المقالة التي قالها الكفار. وقال القشيري والماوردي : إن الآية نزلت في قوم من الزنادقة. وقد كان في كفار قريش وغيرهم من سائر العرب، قوم يتزندقون فلا يؤمنون بالصانع، فقالوا هذه المقالة استهزاء بالمسلمين ومناقضة لهم. وحكى نحو هذا القرطبي عن ابن عباس.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله : أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ الآية قال : في سفينة نوح حمل فيها من كلّ زوجين اثنين وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ قال : السفن التي في البحر والأنهار التي يركب الناس فيها. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي صالح نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ قال : هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : يعني الإبل خلقها الله كما رأيت، فهي : سفن البرّ يحملون عليها ويركبونها. ومثله عن الحسن، وعكرمة، وعبد الله بن شدّاد، ومجاهد.
وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عن أبي هريرة في قوله : فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً الآية قال : تقوم الساعة، والناس في أسواقهم يتبايعون، ويذرعون الثياب، ويحلبون اللقاح، وفي حوائجهم فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ، وأخرج عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر عن الزبير بن العوّام قال : إن الساعة تقوم، والرجل يذرع الثوب، والرجل يحلب الناقة، ثم قرأ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً الآية. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لتقومنّ الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها». وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبيّ بن كعب في قوله : مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا قال : ينامون قبل البعث نومة.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية