قوله : ياويلنا العامة على الإضافة إلى ضمير المتكلمين دون تأنيث وهو «ويل » مضاف لما بعده. ونقل أبو البقاء أن «وَيْ » كلمة برأسها عن الكوفيين و «لنا » جار ومجرور١ انتهى. قال شهاب الدين : ولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد وهو أن يكون يا عَجَب لنا، لأن «وَيْ » تفسير بمعنى أعجب منا٢. وابنُ أَبِي لَيْلَى يا ويلتنا بتاء التأنيث وعنه أيضاً يَا وَيْلَتِي بإبدال التاء ألفاً٣. وتأويل هذه أن كل واحد منهم يقول يا ويلتي٤.
قوله : مَنْ بَعَثَنَا العامة على فتح ميم «من » و «بعثنا » فعلاً ماضياً خبراً «لمنْ » الاستفهامية قبله، وابن عباس والضحاك وأبو نُهَيْك بكسر الميم على أنها حرف٥ جر، و «بعثنا » مصدر مجرور «بمن » ف «من » الأولى تتعلق٦ بالويل والثانية تتعلق٧ بالبعث. والمَرْقَدُ يجوز أن يكون مصدراً٨ أي من رُقَادِنَا وأن يكون٩ مكاناً وهو مفرد أقيم مُقَام الجمع والأول١٠ أحسن ؛ إذ المصدر يفرد مطلقاً١١.
فصل
قال ابن عباس وأبيّ بن كعب وقتادة : إنما يقولون هذا لأن الله يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة، دعوا بالويل. وقال ( أهل )١٢ المعاني : الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم فقالوا : مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا١٣.
فإن قيل : لو قيل : فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا كان أليق قال ابن الخطيب : نقول : معاذ الله وذلك لأن قوله إذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون إشارة إلى أنه تعالى بأسرع زمان يجمع أجزاءهم ويؤلفها ويحييها ويحركها بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ مع أن ذلك لا بدّ له من الجمع والتأليف فلو قال يقولون لكان ذلك مثل الحال لينسلون أي ينسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك فإن قولهم : يا ويلنا قبل أن ينسلوا وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفائدة١٤.
فإن قيل : ما وجه تعلق «مَنْ بعَثنَا مِنْ مَرْقَدِنَا » بقولهم «يَا وَيْلَنَا » ؟
فالجواب : لما بعثوا تذكروا١٥ ما كانوا يسمعون من الرسل فقالوا : يَاوَيْلَنَا أبَعَث الله البَعْثَ الموعود به أم كنا نِيَاماً هنا كما إذا كان إنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لايطيقه ثم يَرَى رَجُلاً هائلاً يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول أهذا ذاك أم لا ؟.
ويدل على هذا قولهم : مِنْ مَرْقَدِنَا حيث جعلوا القبور موضع الرُّقَاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نيَاماً فنبهوا أو كانوا موتى فبعثوا وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من بعثنا إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به وقالوا من مرقدنا إشارة إلى توهمهم احتمال الانْتِبَاه١٦.
قوله : هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن في «هذا » وجهان :
أظهرهما : أنه مبتدأ وما بعده خبره١٧. ويكون الوقف تامًّا على قوله : مِن مَّرْقَدِنَا وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان :
أحدهما : أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى، أو من قول الملائكة، أو من قول المؤمنين للكفار١٨.
الثاني : أنها من كلام الكفار فيكون في محلّ نصب بالقَول١٩.
والثاني من الوجهين الأولين :( أن )٢٠ «هذا » صفة «لمرقدنا » و «مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ » منقطع عما قبله٢١، ثم في «ما » وجهان :
أحدهما : أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون حق عليكم٢٢. وإليه ذهب الزجاج والزمخشري٢٣.
والثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر أي هذا وعد٢٤ الرحمن، وقد تقدم في أول الكهف أن حَفْصاً يقف على «مرقدنا » وقفةً لطيفة دون قطع نفس لئلا يتوهم أن اسم الإشارة تابع ل «مَرْقَدِنَا ». وهذان الوَجْهَانِ يقويان ذلك المعنى المذكور الذي تعمد الوقف لأجله٢٥، و «ما » يصحّ أن تكون موصولة اسمية أو حرفية كما تقدم٢٦. ومفعولاً الوعد والصدق محذوفان أي وَعَدَنَاهُ الرَّحْمَنُ وصَدَقَنَاهُ المرسلون٢٧، والأصل «صدقنا فيه » ويجوز حذف الخافض وقد تقدم ذلك نحو : صَدَقَنِي سنَّ بكْرِ ( هِ )٢٨ أي في سنه٢٩.
٢ الدر المصون ٤/٥٢٣..
٣ المحتسب ٢/٢١٣ ومختصر ابن خالويه ١٢٥ والكشاف ٣/٣٢٦ الأولى فقط وانظر البحر ٧/٣٤١ والسمين ٤/٥٢٣..
٤ المرجع الأخير السابق..
٥ انظر: مختصر ابن خالويه ١٢٥ ونسبها إلى علي أيضا. وانظر: الكشاف ٣/٣٢٦ والبحر ٧/٣٤١ وهي من الشواذ..
٦ في ب "متعلق"..
٧ في ب "متعلق" أيضا..
٨ أي مصدرا ميميا كملعب، ومذبح مما ماضيه بفتح العين ومضارعه أيضا..
٩ أس اسم مكان على مفعل كالعلة السابقة للمصدر..
١٠ أي المصدر..
١١ بالمعنى من البحر ٧/٣٤١ وباللفظ من الدر المصون ٤/٥٢٤..
١٢ سقطت من أ الأصل فالتصحيح من ب والمرجعين الآتيين..
١٣ قال بذلك الإمامان الخازن والبغوي في تفسيريهما : لباب التأويل ومعالم التنزيل ٦/١١..
١٤ قاله في التفسير الكبير الإمام الفخر الرازي ٢٦/٨٨..
١٥ في ب فذكروا وفي الرازي كما هنا أعلى..
١٦ انظر: تفسير الإمام الرازي ٢٦/٨٩..
١٧ في ب خبر بدون هاء الضمير. وانظر: التبيان ١٠٨٤، والبيان ٢/٢٩٨، ومعاني الزجاج ٤/٢٩١ ومعاني الفراء ٢/٣٨٠ ومشكل إعراب القرآن ٢/٢٣٠ والدر المصون ٤/٥٢٤ والكشاف ٣/٣٢٦ وإعراب النحاس ٣/٤٠٠ والقرطبي ١٥/٤٢..
١٨ نقله مكي في المشكل ٢/٢٣٠ والسمين في الدر ٤/٥٢٤..
١٩ وهو قالوا من :"قالوا يا ويلنا"..
٢٠ زيادة للسياق وتنسيقه..
٢١ المراجع السابقة..
٢٢ ذهب أبو البقاء إليه في التبيان ١٠٨٤ أيضا ومكي في المشكل ٢/٢٣٠..
٢٣ الكشاف ٣/٣٢٦ ومعاني القرآن وإعرابه ٤/٢٩١..
٢٤ ذهب إليه مكي في المشكل ٢/٢٣٠ والفراء في المعاني ٢/٣٨٠ وابن الأنباري في البيان ٢/٢٩٨ والتبيان ١٠٨٣ و ١٠٨٤ وذكره أيضا الزجاج في المعاني ٤/٢٩١ والكشاف ٣/٣٢٦ والقرطبي ١٥/٤٢..
٢٥ المؤلف في الكهف كان يتحدث عن قوله: ولم يجعل له عوجا قيما وأشار إلى السكتة اللطيفة على ألف "عوجا" فذكر هناك "مرقدنا" فالشيء بالشيء ذكر. وانظر : اللباب ٣/٤٩٧ ب والإتحاف ٢٨٧..
٢٦ المراجع السابقة..
٢٧ الدر المصون ٤/٥٢٤ و ٥٢٥..
٢٨ سقطت من ب..
٢٩ المختار أن الجار لا يحذف ويبقى عمله اختيارا وإن وقع فضرورة كقوله... أشارت كليب بالأكف الأصابع إلا مع "كم، أو "رب" بعد الفاء والواو العاطفة كثيرا. وقيل خلاف ذلك. انظر: الهمع ٢/٣٧ و ٣٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود