قَالُواْ يا ويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا أي قالوا عند بعثهم من القبور بالنفخة يا ويلنا : نادوا ويلهم، كأنهم قالوا له احضر، فهذا أوان حضورك، وهؤلاء القائلون هم : الكفار. قال ابن الأنباري : الوقف على يا ويلنا وقف حسن. ثم يبتدىء الكلام بقوله : مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ظنوا لاختلاط عقولهم بما شاهدوا من الهول، وما داخلهم من الفزع أنهم كانوا نياماً. قرأ الجمهور يا ويلنا ، وقرأ ابن أبي ليلى " يا ويلتنا " بزيادة التاء. وقرأ الجمهور من بعثنا بفتح ميم " من " على الاستفهام. وقرأ ابن عباس، والضحاك، وأبو نهيك بكسر الميم على أنها حرف جرّ، ورويت هذه القراءة عن عليّ بن أبي طالب. وعلى هذه القراءة تكون " من " متعلقة بالويل، وقرأ الجمهور من بعثنا . وفي قراءة أبيّ " من أهبنا " من هبّ نومه : إذا انتبه، وأنشد ثعلب على هذه القراءة :
| وعاذلة هبت بليل تلومني | ولم يعتمدني قبل ذاك عذول |
وقيل : هو من كلام الكفرة يجيب به بعضهم على بعض. قال بالأوّل الفراء، وبالثاني مجاهد. وقال قتادة : هي من قول الله سبحانه، و ما في قوله : مَا وَعَدَ الرحمن موصولة، وعائدها محذوف والمعنى : هذا الذي وعده الرحمن، وصدق فيه المرسلون قد حق عليكم ونزل بكم، ومفعولا الوعد والصدق محذوفان أي وعدكموه الرحمن، وصدقكموه المرسلون، والأصل وعدكم به، وصدقكم فيه، أو وعدناه الرحمن، وصدقناه المرسلون على أن هذا من قول المؤمنين، أو من قول الكفار إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة .
وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عن أبي هريرة في قوله : فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً الآية قال : تقوم الساعة، والناس في أسواقهم يتبايعون، ويذرعون الثياب، ويحلبون اللقاح، وفي حوائجهم فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ، وأخرج عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر عن الزبير بن العوّام قال : إن الساعة تقوم، والرجل يذرع الثوب، والرجل يحلب الناقة، ثم قرأ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً الآية. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لتقومنّ الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها». وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبيّ بن كعب في قوله : مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا قال : ينامون قبل البعث نومة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني