وقوله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ، علق عليه ابن كثير في تفسيره فقال : " هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور، أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى، وأن لا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيله " وذكر ( ابن العربي ) المعافري في معنى قوله تعالى : خليفة ، أن معنى " الخلافة " لغة هو قيام الشيء مقام الشيء، وبين أن الله قد جعل الخلافة لخلقه على العموم، كما في قوله عليه السلام : " إن الله مستخلفكم فيها -أي في الدنيا- فناظر كيف تعملون "، وجعلها على الخصوص، كما في قوله تعالى هنا : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ، وذكر أن " الخلفاء " على أقسام : أولهم الإمام الأعظم، وآخرهم العبد في مال سيده، واستشهد على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والعبد راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته ".
وهاهنا لطيفة لا ينبغي إغفالها، ألا وهي أن لفظ " الملك " لا يناقض لفظ " الخلافة "، وأن من الممكن أن يجتمعا في محل واحد، كما هو الشأن هنا، إذ وقع إطلاقهما معا في كتاب الله على داود عليه السلام، فهو في آن واحد " ملك " بدليل قوله تعالى : وشددنا ملكه ، و " خليفة " بدليل قوله تعالى : إنا جعلناك خليفة ، والعبرة في استعمالهما وتواردهما على محل واحد : إنما هي بالتزام حدود الله، والاهتداء بهدي الوحي المنزل من عند الله، وبناء على ذلك يكون الخليفة " ملكا " ويكون الملك " خليفة ".
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري