ﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً معطوف على اركض ، أو على وهبنا ؛ أو التقدير، وقلنا له : خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً ، والضغث : عثكال النخل بشماريخه، وقيل : هو قبضة من حشيش مختلط رطبها بيابسها، وقيل : الحزمة الكبيرة من القضبان، وأصل المادّة تدلّ على جمع المختلطات. قال الواحدي : الضغث : ملء الكفّ من الشجر، والحشيش والشماريخ فاضرب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ أي اضرب بذلك الضغث، ولا تحنث في يمينك، والحنث : الإثم، ويطلق على فعل ما حلف على تركه، وكان أيوب قد حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة.
واختلف في سبب ذلك، فقال سعيد بن المسيب : إنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه به من الخبز، فخاف خيانتها، فحلف ليضربنها. وقال يحيى بن سلام وغيره : إن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقرّباً إليه، فإنه إذا فعل ذلك برئ، فحلف ليضربنها إن عوفي مائة جلدة. وقيل : باعت ذؤابتها برغيفين إذ لم تجد شيئاً، وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد القيام، فلهذا حلف ليضربنها. وقيل : جاءها إبليس في صورة طبيب، فدعته لمداواة أيوب، فقال : أداويه على أنه إذا برئ قال : أنت شفيتني، لا أريد جزاء سواه، قالت : نعم، فأشارت على أيوب بذلك، فحلف ليضربنها.
وقد اختلف العلماء هل هذا خاصّ بأيوب، أو عامّ للناس كلهم ؟ وأن من حلف خرج من يمينه بمثل ذلك. قال الشافعي : إذا حلف ليضربنّ فلاناً مائة جلدة أو ضرباً، ولم يقل : ضرباً شديداً، ولم ينوِ بقلبه، فيكفيه مثل هذا الضرب المذكور في الآية، حكاه ابن المنذر عنه، وعن أبي ثور، وأصحاب الرأي. وقال عطاء : هو خاصّ بأيوب، ورواه ابن القاسم عن مالك. ثم أثنى الله سبحانه على أيوب، فقال : إِنَّا وجدناه صَابِراً أي على البلاء الذي ابتليناه به، فإنه ابتلي بالداء العظيم في جسده، وذهاب ماله، وأهله، وولده، فصبر نِعْمَ العبد أي : أيوب إِنَّهُ أَوَّابٌ أي رجاع إلى الله بالاستغفار والتوبة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن ابن عباس قال : إن الشيطان عرج إلى السماء، فقال : يا رب سلطني على أيوب، قال الله : لقد سلطتك على ماله وولده، ولم أسلطك على جسده، فنزل، فجمع جنوده، فقال لهم : قد سلطت على أيوب، فأروني سلطانكم، فصاروا نيراناً، ثم صاروا ماء، فبينما هم في المشرق إذا هم بالمغرب، وبينما هم بالمغرب إذا هم بالمشرق. فأرسل طائفة منهم إلى زرعه، وطائفة إلى أهله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه، وقال : إنه لا يعتصم منكم إلا بالمعروف، فأتوه بالمصائب بعضها على بعض، فجاء صاحب الزرع، فقال : يا أيوب ألم ترَ إلى ربك أرسل على زرعك ناراً، فأحرقته ؟ ثم جاء صاحب الإبل، فقال : يا أيوب ألم ترَ إلى ربك أرسل إلى إبلك عدواً، فذهب بها ؟ ثم جاء صاحب البقر فقال : يا أيوب ألم ترَ إلى ربك أرسل إلى بقرك عدواً، فذهب بها ؟ ثم جاءه صاحب الغنم فقال : يا أيوب ألم ترَ إلى ربك أرسل على غنمك عدواً، فذهب بها ؟ وتفرد هو لبنيه، فجمعهم في بيت أكبرهم، فبينما هم يأكلون، ويشربون إذ هبت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام بأذنيه قرطان، فقال : يا أيوب ألم ترَ إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم، فبينما هم يأكلون، ويشربون إذ هبت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فلو رأيتهم حين اختلطت دماؤهم، ولحومهم بطعامهم، وشرابهم ؟ فقال له أيوب : فأين كنت ؟ قال : كنت معهم، قال : فكيف انفلتّ ؟ قال : انفلت، قال أيوب : أنت الشيطان ؛ ثم قال أيوب : أنا اليوم كيوم ولدتني أمي، فقام، فحلق رأسه، وقام يصلي، فرنّ إبليس رنة سمعها أهل السماء، وأهل الأرض، ثم عرج إلى السماء، فقال : أي رب إنه قد اعتصم، فسلطني عليه، فإني لا أستطيعه إلا بسلطانك، قال : قد سلطتك على جسده، ولم أسلطك على قلبه، فنزل، فنفخ تحت قدمه نفخة قرح ما بين قدمه إلى قرنه، فصار قرحة واحدة، وألقي على الرماد حتى بدا حجاب قلبه، فكانت امرأته تسعى عليه، حتى قالت له : ألا ترى يا أيوب قد نزل والله بي من الجهد والفاقة ما إن بعت قروني برغيف، فأطعمتك، فادع الله أن يشفيك، ويريحك قال : ويحك كنا في النعيم سبعين عاماً، فاصبري حتى نكون في الضراء سبعين عاماً، فكان في البلاء سبع سنين، ودعا، فجاء جبريل يوماً، فدعا بيده، ثم قال : قم، فقام، فنحاه عن مكانه، وقال : اركض برجلك هذا مغتسل بارد، وشراب، فركض برجله، فنبعت عين، فقال : اغتسل، فاغتسل منها، ثم جاء أيضاً، فقال : اركض برجلك، فنبعت عين أخرى فقال له : اشرب منها، وهو قوله : اركض بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ، وألبسه الله حلة من الجنة، فتنحى أيوب، فجلس في ناحية، وجاءت امرأته، فلم تعرفه، فقالت : يا عبد الله أين المبتلي الذي كان هاهنا ؟ لعل الكلاب قد ذهبت به، أو الذئاب، وجعلت تكلمه ساعة، فقال : ويحك أنا أيوب قد ردّ الله عليّ جسدي، ورد عليه ماله، وولده عياناً، ومثلهم معهم، وأمطر عليه جراداً من ذهب، فجعل يأخذ الجراد بيده، ثم يجعله في ثوبه، وينشر كساءه، ويأخذه، فيجعل فيه، فأوحى الله إليه : يا أيوب أما شبعت ؟ قال : يا رب من ذا الذي يشبع من فضلك، ورحمتك ؟ وفي هذا نكارة شديدة، فإن الله سبحانه لا يمكن الشيطان من نبي من أنبيائه، ويسلط عليه هذا التسليط العظيم.
وأخرج أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن ابن عباس قال : إن إبليس قعد على الطريق، وأخذ تابوتاً يداوي الناس، فقالت امرأة أيوب : يا عبد الله إن هاهنا مبتلى من أمره كذا وكذا، فهل لك أن تداويه ؟ قال : نعم بشرط إن أنا شفيته أن يقول : أنت شفيتني لا أريد منه أجراً غيره. فأتت أيوب، فذكرت له ذلك، فقال : ويحك ذاك الشيطان، لله عليّ إن شفاني الله أن أجلدك مائة جلدة، فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثاً، فيضربها به، فأخذ عذقاً فيه مائة شمراخ، فضربها ضربة واحدة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عنه في قوله : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً قال : هو الأسل.
وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً قال : الضغث : القبضة من المرعى الرطب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : الضغث : الحزمة. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والطبراني، وابن عساكر من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال : حملت وليدة في بني ساعدة من زنا، فقيل لها : ممن حملك ؟ قالت : من فلان المقعد، فسئل المقعد، فقال : صدقت. فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :«خذوا عثكولاً فيه مائة شمراخ، فاضربوه به ضربة واحدة» وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والطبراني، وابن عساكر نحوه من طريق أخرى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن سعيد بن سعد بن عبادة. وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد نحوه. وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال : أيوب رأس الصابرين يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أُوْلِى الأيدى قال : القوّة في العبادة والأبصار قال : الفقه في الدين. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أُوْلِى الأيدى قال : النعمة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار قال : أخلصوا بذكر دار الآخرة أن يعملوا لها.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية