قد علل أبو البقاء بعلة في «مُتَّكِئِينَ » تقتضي منع «مفتحةً » أن تكونَ حالاً وإن كانت العلة غير صحيحة فقال : ولا يجوز أن تكون - يعني متكئين - حالاً من «للمتقين » ؛ لأنه قد أخبر عنهم قبل الحال. وهذه العلة موجودة في جعل «مُفَتَّحةً » حالاً من للمتقين كما ذكره الزمخشري إلاّ أنّ هذه العلة ليست صحيحة. وهو نظير قولك :«إنَّ لهندٍ ما لاً قائمةً » وأيضاً في عبارته تجوز فإن «للمتقين » لم يخبر عنهم صناعة إنما أخبر عنهم معنى وإلا فقد أخبر عن «حُسْنَ مَآبٍ » بأنه لهم، وجعل الحوفي العامل مقدراً أي يَدْخُلُونَها مفتحةً.
قوله : الأبواب في ارتفاعها وجهان :
أشهرهما عند الناس : أنها مرتفعة باسم المفعول كقوله : وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [ الزمر : ٧٣ ]. واعترض على هذا بأن «مُفَتَّحَةً » إما حال، وإما نعت «لجَنَّات ». وعلى التقديرين فلا رابطَ. وأجيب بوجهين :
أحدهما : قول البصريين وهو أن ثَمَّ خبراً مقدراً تقديره الأبوابُ منها.
والثاني : أن «أل » قامت مقام الضمير، إذ الأصل أبوابها، وهو قول الكوفيين. وتقدم تحقيق هذا. والوجهان جريان في قوله : فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى [ النازعات : ٤١ ].
الثاني : أنها مرتفعة على البدل من الضمير في مفتحة العائد على جنات. وهو قول الفارسي. لما رأى خلوّها من الرابط لفظاً ادّعى ذلك. واعترض على هذا بأن هذا من بدل البعض أو الاشتمال وكلاهما لا بدّ فيهما من ضمير فيضطر إلى تقديره كما تقدم. ورجح بعضهم الأول بأن فيه إضماراً واحداً وفي هذا إضماران وتبعه الزمخشري فقال «والأبواب » بدل من الضمير في «مفتحة » أي مفتحة هي الأبواب كقولك :«ضُرِبَ زَيْدٌ الْيَدُ والرِّجْلُ » وهو من بدل الاشْتِمال.
فقوله :«بدل الاشتمال » إنما يعني به الأبواب لأن الأبواب قد يقال : إنها ليست بعض الجنات، وأما ضرب زيد اليد والرجل فهو بعض من كل ليس إلا.
وقرأ زيد بن علي وأبو حيوة جنات عدن مفتحة برفعها إما على أنها جملة من مبتدأ وخبر، وإما على أن كل واحدة خبر مبتدأ مضمر أي هِيَ جناتٌ هِيَ مفتحةٌ.
قوله : مُتَّكِئِينَ حال من «لهم » العامل فيها مفتحة، وقيل : العامل «يَدْعُونَ ». و تأخر عنها. وقد تقدم منع أبي البقاء أنها حال من «للمتقين » وما فيه، و «يَدْعُونَ » يجوز أن يكون مستأنفاً وأن يكون حالاً إما من ضمير «متكئين » وإما حالاً ثانيةً.
فصل :
اعلم أنه تعالى وصف أحوال أهل الجنة في هذه الآية بأشياء :
أولها : أحوال مساكنهم جنات عدن وذلك يدل على أمرين : أحدهما : كونها بساتينَ. والثاني : كونها دائمةً ليست منقضيةً.
وقوله : مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب قيل : المراد أن الملائكة يفتحون لهم أبواب الجنة ويُحَيُّونهم بالسلام كما قال تعالى : حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خَالِدِينَ [ الزمر : ٧٣ ]. وقيل : الحق أنهم كلما أرادوا انفتاح الأبواب انفتحت لهم وكلما أرادوا انغلاقها انغلقت لهم، وقيل : المراد من هذا الفتح وصف تلك المساكن بالسِّعة وقُرَّة العيون فيها، وقوله : مُتَّكِئِينَ قد ذكر في آيات أخر كيفية ذلك الاتّكاء فقال في آيةٍ : عَلَى الأرآئك مُتَّكِئُونَ [ يس : ٥٦ ] وقال في آخرى : مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ [ الرحمن : ٧٦ ]، وقوله :«يَدْعُونَ فِيهَا » فِي الجنات بألوان الفاكهة وألوان الشراب والتقدير بفاكهة كثيرة وشراب كثير،
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود