روى الحاكم وغيره عن سعد بن أبي وقاص قال : أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن فتلا عليهم زمانا فقالوا يا رسول الله لو حدثتنا، وأخرج ابن جرير عن عون بن عبد الله أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا لو حدثتنا فنزلت الله نزل أحسن الحديث تقرير لقوله : إنا أنزلنا إليك الكتاب وما بينهما معترضات وفي الابتداء باسم الله وبناء نزل عليه تأكيد للإسناد إليه وتفخيم للمنزل واستشهاد على حسنه كتابا بدل من أحسن الحديث أوحال منه متشابها صفة لكتابا يعني يشبه بعضه بعضا مثاني صفة أخرى جمع مثناة اسم الظرف فإنه ثنى فيه ذكر الوعد والوعيد والأمر والنهي والأخبار والأحكام وصف به الكتاب باعتبار تفاصيله فهو كقولك القرآن سورة وآيات والإنسان عروق وعظام ولحم وأعصاب أو جعل تميزا من متشابها كقولك رأيت رجلا جسيما حسنا شمائل، أو جمع مثنية اسم الفاعل فإن آياته تثني على الله لصفاته الكمال تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم خوفا لما فيه من الوعيد الجملة صفة ثالثة لكتابا ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله أي لذكر الله بالرحمة وعموم المغفرة، والإطلاق للإشعار بأن أصل أمره الرحمة وأن رحمته سبقت غضبه والتعدية بإلى لتضمين معنى السكون والاطمئنان وذكر القلوب لتقدم الخشية التي هي من عوارضها يعني إذا ذكر عذاب الله في آيات الوعيد من القرآن يخاف قلوب المؤمنين وتقشعر جلودهم، والاقشعرار انقباض وتغير في جلد الإنسان عند الخوف وإذا ذكر الله بالرحمة في آيات الوعد من القرآن تلين جلودهم وتسكن قلوبهم، لما وصف الله القرآن بكونه مثاني ثنى فيه ذكر الوعيد والوعد وصفة بما يتأثر به المؤمنون عند الوعيد والوعد فكان تقدير الكلام يخاف منه قلوب الذين يخشون ربهم وتقشعر جلودهم ثم تلين جلودهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، عن العباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما يتحاتت عن الشجر اليابسة ورقها ) رواه الطبراني بسند ضعيف ورواه البغوي، وفي رواية للبغوي إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله حرمه الله على النار.
فإن قيل بعض أهل العشق من الصوفية الكرام يغشى عليه عند استماع القرآن فهل هو من الأحوال الحميدة أو القبيحة وقد شنع عليهم الإمام محيي السنة البغوي رحمة الله عليه في تفسيره فقال : قال قتادة هذا يعني ما ذكر من اقشعرار الجلد من خشية الله نعت أولياء الله نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان، أخبرنا عن عبد الله بن الزبير قال قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن قالت كانوا كما نعتهم الله عز وجل تدمع عيونهم وتقشعر جلودهم قال فقلت لها إن ناسا إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيا عليه فقالت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وروى البغوي أن ابن عمر مر على رجل ( من أهل العراق ) ساقط فقال ابن عمر ما بال هذا ؟ قالوا إنه إذا قرئ القرآن وسمع ذكر الله سقط فقال ابن عمر إنا لنخشى الله وما نسقط وقال ابن عمر إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم ما كان هكذا صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت وجه طريان هذه الحالة كثرة نزول البركات والتجليات مع ضيق حوصلة الصوفي وضعف استعداده وإنما لم يوجد هذه الحالة في الصحابة رضي الله عنهم مع وفود بركاتهم لأجل سعة حواصلهم وقوة استعداداتهم ببركة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وأما غير الصحابة من الصوفية فعدم طريان تلك الحالة عليهم إما لقلة نزول البركات وإما لسعة الحوصلة والعجب من الإمام الهمام محيي السنة البغوي رحمه الله كيف أنكر على أصحاب تلك الحالة وشنع عليهم ونسي قوله تعالى : حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير وقد روى في تفسيره تلك الآية عن النواس بن سمعان رضي الله عنه إذا أراد الله بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة أو قال رعدة شديدة خوفا من الله فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبرئيل الحديث، وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه بلفظ ( إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق ) الحديث، وقوله تعالى :{ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ).
وقول ابن عمر إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم وكذا استعاذة أسماء محمول على أنهما زعما غشي ذلك الرجل تكلفا ومكرا ولذا نسباه إلى الشيطان وإنما كان إنكار تلك الحالة منهما لعدم طريان الحالة عليهما وعلى أمثالهما بناء على وسعة الحوصلة وقوة الاستعداد، ويدل على ما قلت أنه ذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن من أوله إلى آخره فإن رمى بنفسه فهو صادق حيث علق صدقه على رمي نفسه من ظهر بنية مرتفعة فعلم منه أنه حمل صرعه على الكذب والتكلف، إعلم أن البشر أقوى استعدادا وأوسع حوصلة من الملائكة كما يشهد عليه قوله تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة إلى قوله إني أعلم ما لا تعلمون وقوله تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض
الآية، ولأجل ذلك يأتي حالة الغشي على الملائكة كلما سمعوا الوحي دون البشر وأما البشر فإذا تم نزوله لا يتغير حاله إلا نادرا وإذا تم عروجه وقصر نزوله يتغير غالبا وأعلم أن الصوفي متى كان في السكر يتغير حاله غالبا عنه ذكر المحبوب في الشعر والتغني ولذلك يستحبون السماع لكن تغير الحال عند سماع القرآن أشرف منه حالا لأن عند استماع القرآن وتلاوته تتنزل البركات الأصلية المتعلقة بالتجليات الذاتية والصفات الحقيقية ولا سبيل إليها لأكثر الصوفية المحتبسين في مقام ولأجل ذلك تراهم يتغير حالهم عند السماع ما لا يتغير عند تلاوة القرآن وأما الذين صعدوا ذروة الأفق الأعلى ثم دنى رب العزة وتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، لا يتغير أحوالهم إلا كما كان يتغير حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم تدمع عيونهم، تقشعر جلودهم ثم تلين جلودهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ذلك الخوف والرجاء أو حسن الحديث هدى الله يهدي به من يشاء هدايته ومن يضلل الله أي يخذله فما له من هاد يخرجه من الضلالة.
التفسير المظهري
المظهري