وما قدروا الله حق قدره ما عظموه تعالى حق تعظيمه [ آية ٩١ الأنعام ص ٢٣١ ].
والأرض جميعا قبضته يوم القيامة بيان لعظيم قدرته تعالى، وأن المتولي لإبقاء السموات والأرض في الدنيا هو المتولي لتخريبهما يوم القيامة ؛ فله سبحانه وحده القدرة التامة على الإيجاد والإبقاء والإفناء في الدارين ؛ فكيف يشركون به غيره ! ؟. والقبضة : المرة من القبض، وتطلق على المقدار المقبوض بالكف ؛ أي والأرض – مجموعة – مقبوضة له تعالى يوم القيامة. وخص بالذكر وإن كانت قدرته شاملة لدار الدنيا أيضا ؛ لأن الدعاوي تنقطع في ذلك اليوم ؛ كما قال : " والأمر يومئذ لله " وقال : " لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ". والسموات مطويات بيمينه قال الزمخشري : الغرض من هذا الكلام إذا أخذته بمجموعه – تصوير عظمته تعالى : والتوقيف على كنه جلاله لا غير ؛ من غير ذهاب بالقبضة واليمن إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز. فهو تمثيل لحال عظمته تعالى، ونفاذ قدرته – بحال من يكون له قبضة فيها الأرض جميعا، ويمين بها يطوى السموات. وقيل : هو تنبيه على مزيد جلالته وعظمته تعالى ؛ بإفادة أن الأرض كلها مع عظمها وكثافتها في مقدوره، كالشيء الذي يقبض عليه القابض بكفه. فالقبضة مجاز عن الملك أو التصرف ؛ كما يقال : هو في يد فلان وفي قبضته، للشيء الذي يهون عليه التصرف فيه وإن لم يقبض عليه. واليمين : مجاز عن القدرة التامة.
والسلف – كما ذكره الألوسي – يذهبون إلى أن الكلام تنبيه على مزيد جلالته وعظمته، ورمز إلى أن آلهتهم – أرضية أم سماوية – مقهورة لله تعالى. إلا أنهم لا يقولون بالتجوز بالقبضة عن الملك أو التصرف، ولا باليمين عن القدرة ؛ بل ينزهونه تعالى عن الجوارح والأعضاء، ويؤمنون بما نسبه تعالى إلى ذاته بالمعنى اللائق به الذي أراده سبحانه. قال الخطابي : ليس عندنا معنى اليد الجارحة، إنما هي صفة جاء بها التوقيف ؛ فنحن نطلقها على ما جاءت لا نكيفها، وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار المأثورة. وقال سفيان بن عيينة : كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره : تلاوته والسكوت عليه.
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف