ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷ

وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبّهَا الإشراق الإضاءة، يقال : أشرقت الشمس : إذا أضاءت، وشرقت : إذا طلعت، ومعنى بنور ربها بعدل ربها، قاله الحسن وغيره. وقال الضحاك : بحكم ربها، والمعنى : أن الأرض أضاءت، وأنارت بما أقامه الله من العدل بين أهلها، وما قضى به من الحق فيهم، فالعدل نور، والظلم ظلمات. وقيل : إن الله يخلق نوراً يوم القيامة يلبسه وجه الأرض، فتشرق به غير نور الشمس والقمر، ولا مانع من الحمل على المعنى الحقيقي، فإن الله سبحانه هو نور السماوات والأرض. قرأ الجمهور أشرقت مبنياً للفاعل، وقرأ ابن عباس، وأبو الجوزاء، وعبيد بن عمير على البناء للمفعول ووضع الكتاب قيل : هو اللوح المحفوظ. وقال قتادة : يعني الكتب والصحف التي فيها أعمال بني آدم، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله، وكذا قال مقاتل.
وقيل : هو من وضع المحاسب كتاب المحاسبة بين يديه، أي وضع الكتاب للحساب وَجِيء بالنبيين أي جيء بهم إلى الموقف، فسئلوا عما أجابتهم به أممهم والشهداء الذين يشهدون على الأمم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما في قوله : وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس [ البقرة : ١٤٣ ]، وقيل : المراد بالشهداء : الذين استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يوم القيامة لمن ذبّ عن دين الله. وقيل : هم الحفظة كما قال تعالى : وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ ق : ٢١ ] وَقُضِىَ بَيْنَهُم بالحق وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ أي وقضي بين العباد بالعدل والصدق، والحال أنهم لا يظلمون، أي لا ينقصون من ثوابهم، ولا يزاد على ما يستحقونه من عقابهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لَهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض قال : مفاتيحها. وأخرج أبو يعلى، ويوسف القاضي في سننه، وأبو الحسن القطان، وابن السني، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عثمان بن عفان قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله : لَّهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض ، فقال لي :«يا عثمان لقد سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك، مقاليد السماوات والأرض : لا إله إلاّ الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وأستغفر الله الذي لا إله إلاّ هو، الأوّل والآخر، والظاهر، والباطن، يحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير»، ثم ذكر فضل هذه الكلمات. وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس، عن عثمان قال : جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له : أخبرني عن مقاليد السماوات والأرض، فذكره. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة، وابن مردويه عن أبي هريرة، عن عثمان. وأخرجه العقيلي، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر، عن عثمان.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس : أن قريشاً دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالاً، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوّجوه ما أراد من النساء، ويطأون عقبه، فقالوا له : هذا لك يا محمد، وتكفّ عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء. قال :«حتى أنظر ما يأتيني من ربي» فجاء بالوحي : قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون [ الكافرون : ١ ] إلى آخر السورة، وأنزل الله عليه : قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون إلى قوله : مّنَ الخاسرين . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : يا محمد إنا نجد أن الله يحمل السماوات يوم القيامة على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيقول : أنا الملك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة ، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول : أنا الملك أين ملوك الأرض ؟» وفي الباب أحاديث، وآثار تقتضي حمل الآية على ظاهرها من دون تكلف لتأويل، ولا تعسف لقال وقيل.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رجل من اليهود بسوق المدينة : والذي اصطفى موسى على البشر، فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه، فقال : أتقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :«قال الله وَنُفِخَ في الصور فَصَعِقَ مَن في السموات وَمَن في الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ، فأكون أوّل من يرفع رأسه، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أرفع رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله»
وأخرج أبو يعلى، والدارقطني في الإفراد، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : إِلاَّ مَن شَاء الله قال :«هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول عرشه تتلقاهم الملائكة يوم القيامة» الحديث. وأخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حميد من أقوال أبي هريرة. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وأبو نصر السجزي في الإبانة، وابن مردويه عن أنس : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : إِلاَّ مَن شَاء الله ، فقال :«جبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، وحملة العرش» وأخرج ابن المنذر عن جابر في قوله : إِلاَّ مَن شَاء الله قال : موسى، لأنه كان صعق قبل. والأحاديث الواردة في كيفية نفخ الصور كثيرة. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس في قوله : وَجِيء بالنبيين والشهداء قال : النبيين الرسل، والشهداء الذين يشهدون لهم بالبلاغ ليس فيهم طعان ولا لعان. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه في الآية قال : يشهدون بتبليغ الرسالة، وتكذيب الأمم إياهم.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية