ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

عَلَى كُلِّ حَشِيَّةٍ سَبْعُونَ زَوْجَةً عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ بَاطِنِ الْحُلَلِ يَقْضِي جِمَاعَهَا فِي مِقْدَارِ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِيكُمْ هَذِهِ، الْأَنْهَارُ مِنْ تَحْتِهِمْ تَطَّرِدُ «أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ» - قَالَ صَافٍ لَا كَدَرَ فِيهِ- «وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ» - قَالَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ ضُرُوعِ الْمَاشِيَةِ- «وَأَنْهَارٌ مِنْ خمرة لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ» - قَالَ لَمْ تَعْصِرْهَا الرِّجَالُ بِأَقْدَامِهِمْ- «وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى» - قَالَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بُطُونِ النَّحْلِ، يَسْتَجْنِي الثِّمَارَ فَإِنْ شَاءَ قَائِمًا وَإِنْ شَاءَ قَاعِدًا وَإِنْ شَاءَ مُتَّكِئًا- ثُمَّ تَلَا وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا [الْإِنْسَانِ: ١٤] فَيَشْتَهِي الطَّعَامَ فَيَأْتِيهِ طَيْرٌ أَبْيَضُ قَالَ وَرُبَّمَا قَالَ أَخْضَرُ قَالَ فَتَرْفَعُ أَجْنِحَتَهَا فَيَأْكُلُ مِنْ جُنُوبِهَا أَيَّ الْأَلْوَانِ شَاءَ ثُمَّ يَطِيرُ فَيَذْهَبُ فَيَدْخُلُ الْمَلَكُ فَيَقُولُ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَلَوْ أَنَّ شَعْرَةً مِنْ شَعْرِ الْحَوْرَاءِ وَقَعَتْ في الْأَرْضِ لَأَضَاءَتِ الشَّمْسُ مَعَهَا سَوَادًا فِي نُورٍ» هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَكَأَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[سورة الزمر (٣٩) : آية ٧٥]
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى حُكْمَهُ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَنَّهُ نَزَّلَ كُلًّا فِي الْمَحِلِّ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ وَيَصْلُحُ لَهُ وَهُوَ الْعَادِلُ فِي ذَلِكَ الَّذِي لَا يَجُورُ، أَخْبَرَ عَنْ مَلَائِكَتِهِ أَنَّهُمْ مُحْدِقُونَ مِنْ حَوْلِ العرش الْمَجِيدِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُمَجِّدُونَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ وَيُقَدِّسُونَهُ وَيُنَزِّهُونَهُ عَنِ النَّقَائِصِ وَالْجَوْرِ وَقَدْ فَصَلَ الْقَضِيَّةَ وقضي الأمر وحكم بالعدل ولهذا قال عز وجل: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أَيْ بَيْنَ الْخَلَائِقِ بِالْحَقِّ. ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أَيْ وَنُطْقُ الْكَوْنِ أَجْمَعِهِ نَاطِقِهِ وَبَهِيمِهِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالْحَمْدِ فِي حُكْمِهِ وَعَدْلِهِ وَلِهَذَا لَمْ يُسْنِدِ الْقَوْلَ إِلَى قَائِلٍ بَلْ أَطْلَقَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ شَهِدَتْ لَهُ بِالْحَمْدِ قَالَ قَتَادَةُ افْتَتَحَ الْخَلْقَ بِالْحَمْدِ فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الْأَنْعَامِ: ١] واختتم بالحمد في قوله تبارك وتعالى: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.

صفحة رقم 113

تَفْسِيرُ
سُورَةِ غَافِرٍ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ قَدْ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنْ يُقَالَ الْحَوَامِيمُ وَإِنَّمَا يُقَالُ آلُ حم قَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: آلُ حم دِيبَاجُ الْقُرْآنِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبَابًا وَلُبَابُ الْقُرْآنِ آلُ حم أو قال الحواميم وقال مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ كَانَ يُقَالُ لَهُنَّ الْعَرَائِسُ وروى ذلك كله الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِنْ مَثَلَ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ انْطَلَقَ يَرْتَادُ لأهله منزلا فمر بأثر غيث فبينما هُوَ يَسِيرُ فِيهِ وَيَتَعَجَّبُ مِنْهُ إِذْ هَبَطَ عَلَى رَوْضَاتٍ دَمِثَاتٍ «١» فَقَالَ عَجِبْتُ مِنَ الْغَيْثِ الْأَوَّلِ فَهَذَا أَعْجَبُ وَأَعْجَبُ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ مَثَلَ الْغَيْثِ الْأَوَّلِ مَثَلُ عِظَمِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّ مَثَلَ هَؤُلَاءِ الرَّوْضَاتِ الدَّمِثَاتِ مَثَلُ آلِ حم فِي الْقُرْآنِ أَوْرَدَهُ الْبَغَوِيُّ. وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ الْجَرَّاحَ بْنَ أَبِي الْجِرَاحِ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ لُبَابٌ وَلُبَابُ الْقُرْآنِ الْحَوَامِيمُ وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إِذَا وَقَعْتُ فِي آلِ حم فَقَدْ وَقَعْتُ فِي رَوْضَاتٍ أَتَأَنَّقُ فِيهِنَّ «٢».
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ هُوَ ابْنُ كِدَامٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا رَأَى أَبَا الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَبْنِي مَسْجِدًا فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبْنِيهِ مِنْ أَجْلِ آلِ حم وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْمَسْجِدُ الَّذِي بَنَاهُ أبو الدرداء رضي الله عنه هُوَ الْمَسْجِدُ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ دَاخِلَ قَلْعَةِ دِمَشْقَ، وَقَدْ يَكُونُ صِيَانَتُهَا وَحِفْظُهَا بِبِرْكَتِهِ وَبِرْكَةِ مَا وُضِعَ لَهُ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَى النَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ: «إِنْ بَيَّتُّمُ اللَّيْلَةَ فَقُولُوا حم لَا يُنْصَرُونَ- وَفِي رِوَايَةٍ- لَا تُنْصَرُونَ» «٣».
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ ظَبْيَانَ بْنِ خَلَفٍ الْمَازِنِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ اللَّيْثِ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَلِيكِيِّ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ مُصْعَبٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَأَوَّلَ حم الْمُؤْمِنِ عُصِمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مَنْ كُلِّ سُوءٍ» ثُمَّ قَالَ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا بِهَذَا

(١) الروضة الدمثة: هي الأرض السهلة الرخوة.
(٢) أتأنق فيهن: أي أعجب بهن، واستلذ قراءتهن، وأتتبع محاسنهن.
(٣) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٧١، والترمذي في الجهاد باب ١١، وأحمد في المسند ٤/ ٦٥، ٥/ ٣٧٧.

صفحة رقم 114

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

محمد حسين شمس الدين

الناشر دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
الطبعة الأولى - 1419 ه
عدد الأجزاء 1
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية