ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ أيّ ضر كان من مرض، أو فقر، أو خوف دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ أي راجعاً إليه مستغيثاً به في دفع ما نزل به تاركاً لما كان يدعوه، ويستغيث به من ميت أو حيّ، أو صنم أو غير ذلك ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ أي أعطاه وملكه، يقال : خوّله الشيء، أي : ملكه إياه، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد :

هنالك إن يستخولوا المال يخولوا وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
ومنه قول أبي النجم :
أعطى ولم يبخل ولم يبخل كوم الذرى من خول المخوّل
نَسِي مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ أي : نسي الضرّ الذي كان يدعو الله إلى كشفه عنه من قبل أن يخوله ما خوله. وقيل : نسي الدعاء الذي كان يتضرع به وتركه، أو نسي ربه الذي كان يدعوه، ويتضرّع إليه، ثم جاوز ذلك إلى الشرك بالله، وهو معنى قوله : وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً أي : شركاء من الأصنام، أو غيرها يستغيث بها ويعبدها لّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ أي ليضل الناس عن طريق الله التي هي الإسلام والتوحيد. وقال السدّي : يعني أنداداً من الرجال يعتمد عليهم في جميع أموره. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم : أن يهدّد من كان متصفاً بتلك الصفة، فقال : قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً أي : تمتعاً قليلاً، أو زماناً قليلاً، فمتاع الدنيا قليل، ثم علل ذلك بقوله : إِنَّكَ مِنْ أصحاب النار أي : مصيرك إليها عن قريب، وفيه من التهديد أمر عظيم. قال الزجاج : لفظه لفظ الأمر، ومعناه : التهديد والوعيد. قرأ الجمهور : ليضل بضم الياء، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتحها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ يعني : الكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فيقولون لا إله إلا الله، ثم قال : وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ، وهم : عباده المخلصون الذين قال : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان [ الإسراء : ٦٥ ]، فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله، وحببها إليهم. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر قال : لا يرضى لعباده المسلمين الكفر. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة قال : والله ما رضي الله لعبد ضلالة، ولا أمره بها، ولا دعا إليها، ولكن رضي لكم طاعته، وأمركم بها، ونهاكم عن معصيته. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر عن ابن عمر : أنه تلا هذه الآية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخرة قال : ذاك عثمان بن عفان، وفي لفظ : نزلت في عثمان بن عفان. وأخرج ابن سعد في طبقاته، وابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ الآية قال : نزلت في عمار بن ياسر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله : يَحْذَرُ الآخرة يقول : يحذر عذاب الآخرة. وأخرج الترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أنس قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل، وهو في الموت، فقال : كيف تجدك ؟ قال : أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله الذي يرجو، وأمنه الذي يخاف» أخرجوه من طريق سيار بن حاتم، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت عن أنس. قال الترمذي : غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية