تمهيد :
هذه مرحلة أخيرة في عنت فرعون وتضليله لمن معه، حيث طلب من هامان أن يبني له بناء عاليا ظاهرا مكشوفا، ليتلمّس طريقه إلى السماء، أو لينتقل من سماء إلى سماء حتى ينظر هناك إلى إله موسى، لكن الله أفشل كيده، وانتهى أمره إلى الغرق، بينما نجد مؤمن آل فرعون ينصح قومه باتباعه، فهو يدعوهم إلى أسباب الهدى والرشاد، وهم يعرضون عليه الكفر المؤدّي إلى النار، ويبين لهم أن الدنيا فانية، وأن الآخرة باقية، وأن الله هو الإله الواحد، وأنّ ما عداه من الأوثان والأصنام أو فرعون ليس له أثر أو دعوة مستجابة في الدنيا ولا في الآخرة، وأن الآخرة هي الحياة الحقيقية، وسيتذكرون نصيحته عند رؤيته البعث والحشر والجنة والنار.
وقد حاول قوم فرعون إيذاء هذا المؤمن، فتحصّن بقدرة الله، والتجأ إلى الله القوي العزيز، فحفظه الله منهم، أما آل فرعون فقد أهلكهم الغرق، وهم يشاهدون منازلهم في جهنم كل يوم بالغداة والعشي، وفي يوم القيامة يدخلون أشد ألوان العذاب جزاء كبرهم وعتوهم وظلمهم.
المفردات :
غدوا وعشيا : صباحا ومساء، أو دائما في البرزخ، والمراد به : عذاب القبر، حيث يشاهدون مكانهم في جهنم.
أشد العذاب : عذاب جهنم.
التفسير :
التفسير :
٤٦- النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب .
يعذَّب آل فرعون في قبورهم، فتُعرض أرواحهم على جهنم في الصباح والمساء، لتزداد حسرتهم بمنازلهم في النار، وفي القيامة يدخلون أشد العذاب في جهنم.
وتفيد الآية عذاب القبر ونعيمه، حين تخرج الأرواح إلى البرزخ، وتجد من ألوان السعادة والنعيم في القبر، حيث تعرض الروح على الجنة في الصباح والمساء ؛ لتشاهد المنزلة التي أعدت لها يوم القيامة، أما الكفّار فإن أرواحهم تُعرض على جهنم بالغداة والعشيّ، لترى المنزلة التي ستكون عليها الروح بعد البعث.
وقد ذكر الشيخ محمد عبده أن عذاب القبر ونعيمه أشبه بما يراه النائم حين نومه، فقد نجد اثنين في سرير واحد، يقوم أحدهما مذعورا كئيبا وجلا مما شاهد، بينما نجد الثاني يقوم من نومه مستبشرا فرحا سعيدا بما شاهده من ألوان المسرة والنعيم.
أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة "، ثم قرأ صلى اله عليه وسلم : النار يعرضون عليها غدوا وعشيا... ١.
وروى ابن أبي حاتم، والبزار في مسنده، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال :" ما أحسن محسن من مسلم أو كافر إلاّ أثابه الله تعالى "، قلنا : يا رسول الله، ما إثابة الكافر ؟ فقال : " إن كان قد وصل رحما، أو تصدق بصدقة، أو عمل حسنة أثابه الله تعالى المال والولد والصحة وأشباه ذلك "، قلنا : فما إثابته في الآخرة ؟ قال صلى الله عليه وسلم :" عذابا دون العذاب " وقرأ : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب .
وقال جمهور المفسرين : هذه الآية تدل على عذاب القبر ونعيمه في الدنيا، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب .
رواه البخاري في الجنائز (١٣٧٩) وفي بدء الخلق (٣٢٤٠) وفي الرقاق (٦٥١٥) ومسلم في الجنة (٢٨٦٦) والترمذي في الجنائز (١٠٧٢) وأحمد في مسنده (٤٦٤٤) ومالك في الموطأ كتاب الجنائز (٥٦٤) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ".
تنبيه: قوله: ثم قرأ صلى الله عليه وسلم النار يعرضون عليها... قال السيوطي في الدر المنثور، وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده..." الحديث. ثم قال: زاد ابن مردويه النار يعرضون عليها غدوا وعشيا. فَعُلِم من ذلك أن هذه الزيادة لم يذكرها الشيخان، فلينتبه..
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة