قوله تعالى : هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ. . . لما استدل على إثبات الإليهة بدليل الآفاق وذكر منها الليل والنهار والأرض والسماء، ثم ذكر الدليل على إثبات الإله القادر بخلق الأنفس وهو نوعان : أحدهما : حسن العودة ورزق الطيّبات ؛ ذكر النوع الثاني وهو : تكوين البدن من ابتداء كونه نُطفةً وجَنيناً إلى آخر الشَّيْخُوخَة والموت فقال : هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ، قيل : المراد آدم١. قال ابن الخطيب : وعندي لا حاجة إلى ذلك لأن كل إنسان فهو مخلوق من المَنِي ومن دَم الطَّمْثِ والمَنِي مخلوق من دم فالإنسان مخلوق من الدّم، والدم إنما يتولد من الأغذية والأغذية إما حيوانية وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكوين الإنسان فكانت الأغذية إما حيوانية وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكوين الإنسان فكانت الأغذية كلها منتهية إلى النبات ولا نبات إنما يكون من التراب والماء فثبت أن كل إنسان مُتَكَوِّن من التراب، ثم إن ذلك التراب يصير نطفةً ثم علقةً، ثم بعد كونه علقة مراتب إلى أن ينفصل من بطن الأم. والله تعالى ترك ذكرها ههنا لأنه ذكرها في آيات أُخَر، قال : ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً أي أطفالاً ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ ٢. ( قال الزمخشري٣ : قوله : لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ) متعلق بفعل محذوف، تقديره ثم يبعثُكم لِتبلغُوا أَشُدَّكُمْ٤، ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ أي : أن يصير شَيْخاً، أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سَقْطاً ثم قال : ولتبلغوا أَجَلاً مُّسَمًّى أي ولتبغلوا جميعاً أَجَلاً مُّسَمًّى وقتاً محدوداً لا تُجَاوِزُونَه وهو وقت الموت. وقيل : يوم القيامة، وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته وتستدلوا بهذه الأحوال العجيبة على وحدانية الله تعالى٥.
٢ ذكره في تفسيره المرجع السابق..
٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٤ قال: "لتبلغوا أشدكم، متعلق بفعل محذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك لتكونوا. وأما "ولتبلغوا أجلا مسمى" فمعناه ونفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى وهو وقت الموت" الكشاف ٣/٤٣٦..
٥ السابق وانظر البغوي ٦/١٠٢..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود