ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

هو الذي خلقكم من ترابٍ أي : أصلكم، وأنتم في ضمنه، ثم من نطفةٍ أي : ثم خلقكم خلقاً تفصيليّاً من نطفة تُمنى، ثم من علقةٍ، ثم يُخرجكم طفلاً أي : أطفالاً، واقتصر على الواحدة ؛ لأن المرادَ الجنس، ثم لتبلغوا أشُدَّكم : متعلق بمحذوف، أي : ثم يُبقيكم لتبلغوا أشدَّكم، وكذلك ثم لتكونوا شُيوخاً ، وقيل : عطف على محذوف، عِلة ليُخرجكم، ف " يخرجكم " من عطف علة على أخرى، كأنه قيل : ثم يخرجكم طفلاً لتكبروا شيئاً فشيئاً، ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل، ثم لتكونوا شيوخاً، بكسر الشين وضمها جمع شيخ، وقرئ " شيخاً " كقوله :" طفلاً ".
ومنكم مَن يُتوفى من قبلُ عبارة تجري في الأدراج المذكورة، فمِن الناس مَن يموت قبل أن يُخرج طفلاً، وآخرون قبل الأشدّ، وآخرون قبل الشيخوخة. ولتبلغوا أجلاً مسمى أي : وفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مُسمى، أي : ليبلغ كل واحد منكم أجلاً مسمى لا يتعداه، وهو أجل موته، ولعلكم تعقلون ؛ ولكي تعقلوا ما في ذلك من العِبَر، والحجج، وفنون الحِكَم ؛ فإنَّ ذلك التدريج البديع يقضي بالقدر السابق، ونفوذ القدرة القاهرة ؛ لبُعد ذلك التفاوت، والاختلاف العظيم، عن الطبيعة والعلة، وإنما موجب ذلك سبق الاختيار والمشيئة الأزلية، ولذلك عقّبه بقوله : هو الذي يُحيي ويُميتُ .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إذا دخل المريد مقامَ التجريد، طالباً لأسرار التوحيد والتفريد، وطلبه العامة بالرجوع للأسباب قبل التمكين، يقول : إِني نُهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله... الآية. والبينات التي جاءته من ربه، هو اليقين الكبير بأن الله يرزق أهلَ التقوى بغير أسباب، لقوله تعالى : وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ [ الطلاق : ٢ - ٣ ] وفي هذا المعنى قال الغزالي رضي الله عنه :

تَرَكْتُ لِلنَّاسِ دِينَهُم ودُنْيَاهُم شُغْلاً بِذِكْرِكَ يَا دِيني وَدُنْيَاي
قال القشيري : قل يا محمد : إِني نُهيت وأُمرتُ بالتبرِّي مما عبَدتم، والإعراضِ عما به اشتغلتم، والاستسلام للذي خَلَقني، وبالنبوة خصّني. هـ. وكما تتربى النطفة الإنسانية في الرحم، تتربى نطفة الإرادة ـ وهي المعرفة العيانية ـ في القلب، فإذا عقد المريد نكاح الصُحبة مع الشيخ، قذف في قلبه نطفة الإرادة، فما زال يربيها له حتى يخرج عن حس دائرة الأكوان، فهي ولادته طفلاً، ثم لا يزال يحاذيه بهمته حتى يبلغ أشده، وهو كماله، ثم يكون شيخاً مريباً ؛ إن أَذِنَ له. والله تعالى أعلم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير