قوله تعالى : إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا الآية. لما ذكر الوعيد أردفه بذكر الوعد كما هو الغالب. واعلم أن «ثُمَّ » لتراخي الرتبة في الفضيلة١ سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن الاستقامة فقال : أن لا تشرك بالله شيئاً. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغَ رَوَغَات الثَّعْلَب. وقال عثمان رضي الله عنه أخلصوا العمل. وقال علي رضي الله عنه أدَّوا الفرائض. وقال ابن عباس رضي الله عنه استقاموا على أداء الفرائض. وقال الحسن ( رضي٢ الله عنه ) استقاموا على أمر الله بطاعته واجتنبوا معصيته. وقال مجاهد وعكرمة استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله. وقال قتادة : كان الحسن إذا تلا هذه الآية قال : اللَّهُمَّ فَارْزُقْنَا الاستقامة.
قوله : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة قال ابن عباس ( رضي الله٣ عنهما ) عند الموت. وقال مقاتل وقتادة : إذا قاموا من قبورهم. وقال وكيع بن الجرَّاح٤ : البشرى تكون في ثلاثة مواطن، عند الموت وفي القبر وعند البعث٥.
قوله : أَلاَّ تَخَافُواْ يجوز في «أن » أن تكون المخففة، أو المفسِّرة٦، أو الناصبة٧ و «لا » ناهية على الوجهين الأولين، ونافية على الثالث٨. وقد تقدم ما في ذلك من الإشكال. فالتقدير بأن لا تخافوا أي بانتفاء الخوف. وقال أبو البقاء : التقدير : بأن لا تخافوا، أو قائلين أن لا تخافوا فعلى الأول : هو حال، أي نزلوا بقولهم : لا تخافوا. وعلى الثاني : الحال محذوفة٩. قال شهاب الدين : يعني أن الباء المقدرة حالية، فالحال غير محذوفة وعلى الثاني الحال هو القول المقدر وفيه تسامح، وإلا فالحال محذوفة في الموضعين، وكما قام المقول مقام الحال كذلك قام الجار مقامها١٠. وقرأ عبد الله «لا تخافوا »١١ بإسقاط «أن » وذلك على إضمار القول، أي : يقولون لا تخافوا.
فصل
ألا تخافوا من الموت. قال مجاهد : لا تخافون على ما تَقْدَمُونَ عليه من أمر الآخرة ولا تحزنوا على ما خلَّفتم من أهل وولد، فإنا نخلفكم في ذلك كله.
وقال عطاء ابن أبي رباح : لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم١٢.
قوله : وَأَبْشِرُواْ بالجنة التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ .
فإن قيل : البشارة عبارةٌ عن الخبر الأول بحصول المنافع، فأما إذا أخبر الرجل بحصول المنفعة ثم أخبر ثانياً بحصولها كان الإخبار الثاني إخباراً ولا يكون بشارةً، والمؤمن قد يسمع بشارات الخير، فإذا سمع المؤمن هذا الخبَر من الملائكة وجب أن يكون هذا إخباراً ولا يكون بشارة، فما السَّبب في تسمية هذا الخبر بشارة ؟
فالجواب : أن المؤمن قد يسمع بشارات الخير، ( فإذا١٣ سمع المؤمن هذا الخبر من الملائكة وجب أن يكون هذا إخباراً ولا يكون بشارة ! قلنا : المؤمن يسمع أن من كان مؤمناً تقِيًّا ) كان له الجنة أما إذا لم ( يسمع )١٤ ألبتة أنه من أهل الجنة فإذا سمع هذا الكلام من الملائكة كان أخباراً بنفع عظيم مع أنه هو الخبر الأول فكان ذلك بشارة.
واعلم أن هذا الكلام يدل على أن المؤمن عند الموت وفي القبر وعند البعث ( لا )١٥ يكون فازعاً من الأهوال ومن الفزع الشديد ( بل يكون١٦ آمن الصدر لأن قوله : أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ يفيد نفي الخوف، والحزن على الإطلاق ).
٢ سقط من ب..
٣ كذلك..
٤ ابن مليح الرؤاسي الإمام الحافظ الثبت، روى عنه محمد بن إسماعيل الحساني وسمع هشام بن عروة وابن جريج وعنه أخذ ابن المبارك، وأحمد وزهير بن حرب مات سنة ١٩٧ هـ، انظر الطبقات للداودي ٢/٣٥٨: ٣٦١..
٥ انظر هذه الأقوال في البغوي والخازن ٦/١١٠ و١١١ وانظر القرطبي ١٥/٣٥٨ ففيه المزيد من الأقوال أيضا..
٦ قال بذلك الزمخشري في الكشاف ٣/٤٥٣..
٧ الدر المصون ٤/٧٣٣ لتوضيح وتفصيل ما أفهمه كلام الزمخشري في المرجع السابق..
٨ الدر المصون ٤/٧٣٣ لتوضيح وتفصيل ما أفهمه كلام الزمخشري في المرجع السابق..
٩ التبيان ١١٢٥ و١١٢٦..
١٠ الدر المصون ٤/٧٣٣..
١١ قراءة شاذة غير متواترة نقلها الكشاف ٣/٤٥٣ والفراء في معاني القرآن ٣/١٨..
١٢ انظر البغوي ٦/١١١..
١٣ بياض من النسخ وتكملة من الرازي المصدر لهذا الكلام..
١٤ بياض من النسخ وتكملة من الرازي المصدر لهذا الكلام..
١٥ ساقطة من النسختين وتكملة لا بد منها حتى يتأتى المعنى..
١٦ تكملة كسابقتها من الفخر الرازي لا بد منها وانظر الرازي ٢٧/١٢٢..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود