من الجنّ إبليس. ومن الإنس قابيل بن آدم فهو أول من سنّ المعصية (حين قتل أخاه) «١».
«نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا» هذه الإرادة وهذا التمني زيادة في عقوبتهم أيضا لأنهم يتأذون بتلك الإرادة وهذا التمني فهم يجدون أنه لا نفع لهم من ذلك إذ لن يجابوا في شىء، ولن يمنع عنهم العذاب.
ويفيد هذا الإخبار عنهم عن وقوع التبرّى فيما بينهم، فبعضهم يتبرأ من بعض، كما يفيد بأن الندم في غير وقته لا جدوى منه.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٣٠]
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)
«ثُمَّ» استقاموا: ثم حرف يقتضى التراخي، فهو لا يدل على أنهم في الحال لا يكونون مستقيمين، ولكن معناه استقاموا في الحال، ثم استقاموا في المآل بأن استداموا إيمانهم إلى وقت خروجهم من الدنيا، وهو آخر أحوال كونهم مكلّفين.
ويقال: قالوا بشرط الاستجابة أولا، ثم استبصروا بموجب الحجة، ولم يثبتوا على وصف التقليد، ولم يكتفوا بالقالة دون صفاء الحالة.
«اسْتَقامُوا» : الاستقامة هي الثبات على شرائط الإيمان بجملتها من غير إخلال بشىء من أقسامها. ويقال: هم على قسمين:
مستقيم (فى أصول) «١»
التوحيد والمعرفة.. وهذه صفة جميع المؤمنين «٢».
ومستقيم في الفروع من غير عصيان.. وهؤلاء مختلفون فمنهم.. ومنهم، ومنهم.
«وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ» : الذين لهم البشارة هم كل من استقام في التوحيد، ولم يشرك.. فله الأمان من الخلود «٣»
. ويقال: من كان له أصل الاستقامة أمن «٤»
من الخلود في النار، ومن له كمال الاستقامة أمن من الوعيد من غير أن يلحقة سوء بحال.. ثم الاستقامة لهم على حسب أحوالهم فمستقيم في عهده. ومستقيم في عقده، ومستقيم في جهده ومراعاة حدّه، ومستقيم فى عقده وجهده وحدّه وحبّه وودّه.. وهذا أتمّهم.
ويقال: استقاموا على دوام الشهود وعلى انفراد القلب بالله.
ويقال: استقاموا في تصفية العقد ثم في توفية العهد ثم في صحة القصد بدوام الوجد.
ويقال: استقاموا بأقوالهم ثم بأعمالهم، ثم بصفاء أحوالهم في وقتهم وفي مآلهم.
ويقال: أقاموا على طاعته، واستقاموا في معرفته، وهاموا في محبته، وقاموا بشرائط خدمته.
ويقال: استقامة الزاهد ألا يرجع إلى الدنيا، وألا يمنعه الجاه بين الناس عن الله. واستقامة العارف ألا يشوب معرفته حظّ في الدارين فيحجبه عن مولاه. واستقامة العابد ألا يعود إلى فترته واتباع شهوته، ولا يتداخله رياء وتصنّع. واستقامة «٥»
المحبّ ألا يكون له أرب من محبوبه، بل يكتفى من عطائه ببقائه، ومن مقتضى جوده بدوام عزّه ووجوده.
«أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا» : إنما يكون الخوف في المستقبل من الوقت، من حلول مكروه أو فوات محبوب، فالملائكة يبشرونهم بأن كل مطلوب لهم سيكون، وكل محذور لهم لا يكون.
(٢) عن أنس قال: لمّا نزلت هذه الآية قال النبي (ص) :«هم أمتى ورب الكعبة».
(٣) أي التخليد في النار.. ويقصد بهم أصحاب المنزلة بين المنزلتين.
(٤) لاحظ الربط بين الأمن والأمان من ناحية والإيمان من ناحية أخرى.
(٥) أي أن مجرد ذكر المحب لله (الباقي) يكفيه عن تذكر أي عطاء أو منع، فحسبه الله.
تفسير القشيري
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري
إبراهيم البسيوني