إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ اعترافا بربوبيته وإقرارا بوحدانيته ثم استقاموا أي التزموا المنهج المستقيم، قال المحلى نزلت في أبي بكر الصديق وثم لتراخيه عن الإقرار قي الرتبة والمراد بالاستقامة الاعتدال وعدم الزيغ والانحراف عن الحق بوجه من الوجوه لا في الاعتقاد ولا في الأخلاق ولا في العمال، قال في القاموس استقام اعتدل وقومته عدلته فهو قويم ومستقيم ومنه الصراط المستقيم للطريق السوي الذي يوصل سالكه إلى المطلوب البتة، فالاستقامة لفظ مختصر شامل لجميع الشرائع من الإتيان بالمأمورات والاجتناب عن المنهيات على سبيل الدوام والثبات، ومن هاهنا أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سفيان بن عبد الله الثقفي حين قال يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ؟ وفي رواية غيرك، قال " قل آمنت بالله ثم استقم " (١) رواه مسلم، قال البغوي سئل أبو بكر الصديق عن الاستقامة فقال أن لا تشرك بالله شيئا، وقال عمر بن الخطاب الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب، وقال عثمان بن عفان أخلصوا العمل لله، وقال علي أدوا الفرائض، وقال ابن عباس استقام على أداء الفرائض، وقال الحسن استقاموا على أمر الله فاعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته، وقال مجاهد وعكرمة استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى تلحقوا بالله، وقال مقاتل استقاموا على المعرفة فلم يرتدوا، فكلها عبارات عما ذكرنا فإن قول عمر ليستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب وقول علي وابن عباس، وكذا قول الحسن شامل لجميع ما فرض الله إتيانه أو الاجتناب عنه في العقائد والأخلاق والأعمال، وقول أبي بكر لا تشرك بالله شيئا وقول عثمان أخلصوا لله العمل بيان لعدم الرياء والسمعة في شيء من الأعمال وهو المعنى من قول مجاهد وعكرمة، فالاستقامة لا تتصور بدون فناء القلب والنفس وحصول المعرفة بالله على ما اصطلح عليه الصوفية وذلك قول مقاتل، وقال قتادة كان الحسن إذا تلا هذه الآية قال اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة وكان الحسن رأس الصوفية ينتهي أكثر السلاسل إليه.
تتنزل عليهم الملائكة عند الموت كذا قال ابن عباس، وقال قتادة ومقاتل إذا قاموا من قبورهم، وقال وكيع بن الجراح البشرى تكون في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث ألا تخافوا أن مفسرة لأن تتنزل عليهم يتضمن معنى الوحي الذي فيه معنى القول أو مخففة من الثقيلة اسمه ضمير الشأن أو مصدرية يعني لا تخافوا على ما تقدمون عليه من أمر الآخرة كذا قال مجاهد ولا تحزنوا على ما خلفتم من أهل وولد فإنا نخلفكم في ذلك فالخوف غم يلحق لتوقع مكروه والحزن غم يلحق لوقوعه في مكروه من فوات نافع أو حصول ضار، وقال عطاء بن أبي رباح لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم يعني لا تخافوا العقاب ولا تحزنوا على صدور العصيان فإن الله يغفرها لكم وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ في الدنيا على لسان الرسل، أخرج أبو نعيم عن ثابت البناني أنه قرأ حم السجدة حتى بلغ إلى قوله تتنزل عليهم الملائكة فقال بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعث من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان لا تخف ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد قال فيأمن الله خوفه ويقر عينه
التفسير المظهري
المظهري