ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ

مَا يَلْقَى مِنَ الشَّرِّ فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ فَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» «١» وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٣٣ الى ٣٦]
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)
يقول عز وجل: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ أَيْ دَعَا عِبَادَ اللَّهِ إِلَيْهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي هو فِي نَفْسِهِ مُهْتَدٍ بِمَا يَقُولُهُ فَنَفْعُهُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍ وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَأْتُونَهُ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَأْتُونَهُ بَلْ يَأْتَمِرُ بِالْخَيْرِ وَيَتْرُكُ الشَّرَّ وَيَدْعُو الْخَلْقَ إِلَى الْخَالِقِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهَذِهِ عَامَّةٌ في كل من دعا إلى الخير وَهُوَ فِي نَفْسِهِ مُهْتَدٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَالسُّدِّيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا الْمُؤَذِّنُونَ الصُّلَحَاءُ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «٢» وَفِي السُّنَنِ مَرْفُوعًا «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْأَئِمَّةَ وَغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ» «٣».
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرُوبَةَ الْهَرَوِيُّ حَدَّثَنَا غَسَّانُ قَاضِي هَرَاةَ وَقَالَ أَبُو زَرْعَةَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ مَطَرٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه أنه قال: «سهام المؤذنين عند الله تعالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَسِهَامِ الْمُجَاهِدِينَ وَهُوَ بَيْنَ الْأَذَانِ والإقامة كالمتشحط في سبيل الله تعالى في دمه» قال: وقال ابن مسعود رضي الله عنه لو كنت مؤذنا ما باليت أن لا أَحُجَّ وَلَا أَعْتَمِرَ وَلَا أُجَاهِدَ قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ كُنْتُ مُؤَذِّنًا لَكَمُلَ أَمْرِي وَمَا بَالَيْتُ أن لا أَنْتَصِبَ لِقِيَامِ اللَّيْلِ وَلَا لِصِيَامِ النَّهَارِ سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» ثَلَاثًا، قَالَ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَرَكْتَنَا وَنَحْنُ نَجْتَلِدُ عَلَى الْأَذَانِ بالسيوف قال صلى الله عليه وسلم: «كلا يا عمر إنه سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعافهم وتلك لحوم حرمها الله عز وجل عَلَى النَّارِ لُحُومُ الْمُؤَذِّنِينَ» قَالَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها ولهم هذه الآية

(١) أخرجه البخاري في الرقاق باب ٤١، ومسلم في الذكر حديث ١٤، ١٦- ١٨.
(٢) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ١٤، وابن ماجة في الأذان باب ٥، وأحمد في المسند ٣/ ١٦٩، ٢٦٤، ٤/ ٩٥، ٩٨.
(٣) أخرجه الترمذي في الصلاة باب ٣٩، وأحمد في المسند ٢/ ٢٣٢، ٢٨٤، ٣٨٢، ٥/ ٢٦٠، ٦/ ٦٥.

صفحة رقم 164

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَتْ: فَهُوَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَدْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عمر رضي الله عنهما وَعِكْرِمَةُ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُؤَذِّنِينَ وَقَدْ ذَكَرَ الْبَغَوِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قال في قوله عز وجل وَعَمِلَ صالِحاً قَالَ: يَعْنِي صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْبَغَوِيُّ حَدِيثَ عَبْدِ الله بن المغفل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ- صَلَاةٌ- ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ- لِمَنْ شَاءَ» «١» وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْهُ وَحَدِيثِ الثَّوْرِيِّ عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ عَنْ أَبِي إِيَاسٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال الثوري: لا أراه إلا قَدْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ بِهِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي الْمُؤَذِّنِينَ وَفِي غَيْرِهِمْ فَأَمَّا حَالُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْأَذَانُ مَشْرُوعًا بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَالْأَذَانُ إِنَّمَا شُرِعَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ حِينَ أُرِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عبد ربه الأنصاري رضي الله عنه فِي مَنَامِهِ فَقَصَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُلْقِيَهُ عَلَى بلال رضي الله عنه فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي موضعه فالصحيح إذن أَنَّهَا عَامَّةٌ كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الآية وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ هَذَا حَبِيبُ اللَّهِ هَذَا وَلِيُّ اللَّهِ هَذَا صَفْوَةُ اللَّهِ هَذَا خِيرَةُ اللَّهِ هَذَا أَحَبُّ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى اللَّهِ أَجَابَ اللَّهُ فِي دَعْوَتِهِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى مَا أَجَابَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ دَعْوَتِهِ وَعَمِلَ صَالِحًا فِي إِجَابَتِهِ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ هَذَا خَلِيفَةُ الله.
وقوله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ أَيْ فَرْقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ هَذِهِ وَهَذِهِ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أَيْ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ فَادْفَعْهُ عَنْكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
مَا عَاقَبْتَ مَنْ عَصَى اللَّهَ فِيكَ بِمِثْلِ أَنْ تُطِيعَ الله فيه.
وقوله عز وجل: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَهُوَ الصَّدِيقُ أَيْ إِذَا أَحْسَنْتَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ قَادَتْهُ تِلْكَ الْحَسَنَةُ إِلَيْهِ إِلَى مُصَافَاتِكَ وَمَحَبَّتِكَ وَالْحُنُوِّ عَلَيْكَ حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ لَكَ حَمِيمٌ أَيْ قَرِيبٌ إِلَيْكَ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَيْكَ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْكَ، ثُمَّ قَالَ عز وجل:
وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا أَيْ وَمَا يقبل هذه الموصية وَيَعْمَلُ بِهَا إِلَّا مَنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَشُقُّ عَلَى النُّفُوسِ وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ أَيْ ذُو نَصِيبٍ وَافِرٍ من السعادة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَمَرَ اللَّهُ المؤمنين بالصبر

(١) أخرجه البخاري في الأذان باب ١٤، ١٦، ومسلم في المسافرين حديث ٣٠٤، وأبو داود في التطوع باب ١١، والترمذي في الصلاة باب ٢٢، والنسائي في الأذان باب ٣٩، وابن ماجة في الإقامة باب ١١٠، والدارمي في الصلاة باب ١٤٥، وأحمد في المسند ٤/ ٨٦، ٥/ ٥٤، ٥٦، ٥٧.

صفحة رقم 165

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

محمد حسين شمس الدين

الناشر دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
الطبعة الأولى - 1419 ه
عدد الأجزاء 1
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية