ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

الربع الثالث من الحزب الثامن والأربعين في المصحف الكريم
يتحدث هذا الربع لأول ما يبدأ، مخاطبا الكافرين المصرين على كفرهم عنادا واستكبارا، مستغربا موقفهم الشاذ الذي ليس مفهوما بالمرة، ذلك أنهم علاوة على ما يجهلون من أسرار أنفسهم وما لله فيها من آيات قائمة- وهي أقرب شيء إليهم- يجهلون أو يتجاهلون كل ما حولهم من العوالم والأكوان، فهم في غفلة عنها معرضون، فلا عيون متفتحة، ولا عقول متبصرة، ولا قلوب مستيقظة، وهذه الأرض بكل من عليها، وتلك السماء بكل ما فيها، لا تثير في نفوسهم أية رغبة في الاستطلاع، ولا تنير في ضمائرهم شعلة الإيمان، رغما عما فيهما من دلائل القدرة ومظاهر الإبداع، وذلك قوله تعالى : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا، ذلك رب العالمين( ٩ ) وجعل فيها رواسي من فوقها، وبارك فيها، وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين( ١٠ ) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض : إيتيا طوعا أو كرها. قالتا أتينا طائعين( ١١ ) فقضاهن سبع سماوات في يومين، وأوحى في كل سماء أمرها. وزينا السماء الدنيا بمصابيح، وحفظا. ذلك تقدير العزيز العليم( ١٢ ) . وهاهنا يحسن بنا أن نلفت النظر إلى أن ( أيام الله ) التي تشير إليها هذه الآيات، بالنسبة لخلق الأرض والسماوات، لا تقدر بقدر أيامنا التي نعرفها في كوكبنا الأرضي الخاص، بل هي من نوع آخر يعلمه خالق الزمان والمكان، على حد قوله تعالى في سورة الحج ( ٤٧ ) : وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ، وقوله تعالى في سورة السجدة ( ٥ ) : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون .
ومفاد هذه الآيات التي نحن بصدد تفسيرها اليوم : أن الله قد خلق الأرض بما عليها في أربعة أيام من ( أيام الله ) فخَلْقُ أصل الأرض تم بأمر الله في يومين، وإليه يشير قوله تعالى : الذي خلق الأرض في يومين ، وخلق ما عليها تم بأمر الله في يومين آخرين، وبهما كمل خلق الأرض أصلا وفرعا، وتم عدد الأيام المحددة لخلقها أربعة، وإلى ذلك يشير قوله تعالى : وجعل فيها رواسي من فوقها ، إشارة إلى الجبال التي ترسي الأرض حتى لا تميد، وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ، أما خلق السماوات فقد تم بأمر الله في يومين اثنين، وإلى ذلك يشير قوله تعالى : فقضاهن سبع سماوات في يومين ، ويرى بعض المفسرين من القدماء والمحدثين أن عدد ( السبع ) الوارد في كتاب الله عند ذكر السماوات لا يراد منه حصرها في نفس ذلك العدد ونفي ما سواه، حسبما يقتضيه المفهوم، وإنما هو وارد على حد قوله تعالى في سورة التوبة : إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ، فالسبع في تلك الآية كالسبعين في هذه الآية، ومن يدري فقد تكشف الأيام من أسرار الكون ما يوضح معنى ( السبع ) الوارد في غير ما آية في كتاب الله، ومن بينها قوله تعالى في سورة الطلاق ( ١٢ ) الله الذي خلق سبع سماوات، ومن الأرض مثلهن ، فالكون لا يزال لغزا كبيرا، ولا يشكل على تفسير الآيات التي هي موضوع هذا الحديث قوله تعالى في سورة النازعات ( ٢٧-٣٣ ) : أنتم أشد خلقا أم السماء. بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد ذلك دحاها : أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها. متاعا لكم ولأنعامكم ، لأن المعنى المقصود من هذه الآية كما أجاب به ابن عباس وذكره البخاري في صحيحه عند تفسيره لها : هو أن دحو الأرض وحده هو الذي كان بعد خلق السماء. وقد تولت الآية الكريمة نفسها تفسير معنى الدحو حيث قالت : دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، متاعا لكم ولأنعامكم ، وليس المقصود منها أن خلق أصل الأرض كان متأخرا، كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان.
أما قوله تعالى في نفس السياق : ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض إيتيا طوعا أو كرها، قالتا أتينا طائعين ، فمن المفسرين من حمله على أنه حوار حقيقي صحبته الحياة والإدراك والنطق الفعلي من الأرض والسماء، على غرار قوله تعالى في نفس السورة ( ٢١ ) : وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا، قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ، ومنهم من حمله على أنه مجرد مجاز، من باب ضرب المثل، أي لا يتعسر عليه سبحانه شيء مما خلقه، فله من خلقه ما أراده، والمقصود إنما هو تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غير، دون أن يكون هناك خطاب ولا جواب.
وقوله تعالى : سواء للسائلين بعد قوله : وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ، إشارة إلى سعة رحمة الله، وبسط مائدة رزقه لكافة خلقه، دون تمييز بين طبقة وأخرى، ولا بين أمة وأخرى، فالبساط الإلهي ممدود لجميع السائلين على السواء، على حد قوله تعالى في آية أخرى ( ٣٤ : ١٤ ) : وآتاكم من كل ما سألتموه . وقوله تعالى : وقدر فيها أقواتها ، إشارة إلى أن أقوات الخلق مقدرة في الأرض بتقدير إلهي حكيم. ويوضح هذا المعنى قوله تعالى في سورة الحجر( ٢١ ) : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم .
وقوله هنا : وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم( ١٢ ) ، ينظر إلى قوله تعالى في آية الكرسي : وسع كرسيه السموات والأرض. ولا يؤده حفظهما، وهو العلي العظيم }، فكما أن الله تعالى هو الذي أبدع الأكوان، وخلق العوالم على غير مثال سبق، وجهزها بجميع ما قدر احتياجها إليه من النواميس والقوى والطاقات، تكفل هو سبحانه كذلك بإمدادها بعد إيجادها، وتعهد جل علاه بتدبيرها وصيانتها وحفظها من كل خلل، دون أن يؤثر ذلك كله على قدرته القاهرة، وحكمته الباهرة، في قليل ولا كثير.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير