١١- إن الذين آمنوا بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، وأدّوا الفرائض والطاعات، واجتنبوا المنكرات والمحظورات، لهم عند ربّهم أجر وثواب لا ينقطع أبدا.
دليل وجود الله تعالى وكمال قدرته وحكمته
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٩ الى ١٢]
قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)
الإعراب:
وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً الواو: واو الحال من ضمير خَلَقَ وتقديره: قل: أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين مجعولا له أندادا.
سَواءً لِلسَّائِلِينَ سَواءً بالنصب على المصدر، بمعنى (استواء) وتقديره: استوت استواء. وقرئ بالرفع (سواء) لأنه خبر لمبتدأ محذوف، وتقديره: هي سواء، وقرئ بالجر مجرورا على الوصف لأيام أو لأربعة والمشهور: النصب.
طَوْعاً أَوْ كَرْهاً حال.
قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ جمعها جمع العقلاء، لأنه وصفها بالقول والطاعة، مثل: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ فقد وصفها بالسجود، وهو من صفات العقلاء، وجمعها جمع من يعقل.
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ سَبْعَ سَماواتٍ: في موضع نصب على البدل من هاء ونون فَقَضاهُنَّ.
البلاغة:
أَإِنَّكُمْ استفهام إنكاري، ولام لَتَكْفُرُونَ لتأكيد الإنكار، وتقديم الهمزة لصدارتها.
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً استعارة تمثيلية، مثل تأثير قدرته في السموات والأرض بأمر السلطان أحد رعيته بتنفيذ شيء، وامتثال الأمر بسرعة.
طَوْعاً وكَرْهاً بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الكفر به: إلحادهم في ذاته وصفاته. فِي يَوْمَيْنِ في مقدار يومين أو بنوبتين، وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون. أَنْداداً شركاء، جمع ندّ، أي شريك. ذلِكَ الذي خلق الأرض في يومين. رَبُّ الْعالَمِينَ خالق جميع ما وجد من الممكنات ومالكها ومربّيها، والْعالَمِينَ: جمع عالم: وهو ما سوى الله، وجمع لاختلاف أنواعه تغليبا للعقلاء.
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ جبالا ثوابت، وهو كلام مستأنف غير معطوف على خَلَقَ للفصل بما هو خارج عن صلة بِالَّذِي. مِنْ فَوْقِها مرتفعة عليها. وَبارَكَ فِيها أكثر خيرها، بأن خلق فيها أنواع النبات والحيوانات والمياه. وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قسم فيها أقواتها للناس والبهائم. فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ في تمام أربعة أيام تمّ الجعل والتقدير، أي في تتمة أربعة أيام باليومين المتقدمين.
سَواءً لِلسَّائِلِينَ أي استوت الأربعة استواء لا تزيد ولا تنقص، أي إنها أربعة أيام كاملة لا زيادة فيها ولا نقصان، ولِلسَّائِلِينَ متعلق بمحذوف تقديره: هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها، أو متعلق بقدر أي قدر فيها الأقوات للطالبين لها.
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ قصد وعمد نحوها، أي تعلقت إرادته بها. وَهِيَ دُخانٌ أي مادة غازية مظلمة، تشبه الدخان في رأى العين. ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً أي ائتيا في الوجود، إذا كان الخلق السابق بمعنى التقدير، أو اخضعا لمرادي منكما من التأثير والتأثر، حال كونكما طائعتين أو مكرهتين. قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ منقادين بالذات، وفيه تغليب المذكر العاقل.
قال البيضاوي: والأظهر أن المراد تصوير تأثير قدرته فيها، وتأثرهما بالذات عنها، وتمثيلهما بأمر المطاع، وإجابة المطيع الطائع، كقوله: كُنْ فَيَكُونُ.
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ خلقهنّ خلقا إبداعيا وصيّرهنّ وأكملهنّ وفرغ منهنّ، والضمير يرجع إلى السماء، لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه. فِي يَوْمَيْنِ فرغ منها في تمام يومين، وهذا موافق لآيات خلق السموات والأرض في ستة أيام.
وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها شأنها وما يتأتى منها من الطاعة والعبادة. بِمَصابِيحَ نجوم. وَحِفْظاً منصوب بفعل مقدر، أي حفظناها حفظا من استراق الشياطين السمع، بالشّهب، أو من الآفات. ذلِكَ الخلق. تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ تقدير البالغ التمام في القدرة والعلم، فهو القوي القادر في ملكه، العليم بخلقه.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى بتوحيده في الألوهية والربوبية، أردفه بما يدلّ على وجوده: وهو الخلق والتقدير للسموات والأرض في مدة قليلة، وفي ذلك أيضا ما يدلّ على كمال قدرته وحكمته، فمن كانت هذه صفته، فكيف يسوغ جعل الأصنام والأوثان شركاء له في الألوهية والعبودية، وهي عاجزة عن الخلق والتقدير؟!
التفسير والبيان:
قُلْ: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً؟ ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ قل أيها الرسول لقومك المشركين توبيخا وتقريعا:
كيف تكفرون بالله الذي خلق الأرض في مقدار يومين، قيل: هما يوم الأحد ويوم الاثنين، أو في نوبتين نوبة جعلها جامدة بعد أن كانت كرة غازية، ونوبة جعلها طبقات بذخائرها المائية والمعدنية.
وتجعلون له أمثالا وأضدادا مساوين له في القدرة من الملائكة والجنّ والأصنام والأوثان، فذلك المتصف بالخلق والإبداع هو ربّ العالمين كلهم، أي مربّي الإنس والجنّ ومالكهم وخالقهم ومدبّرهم، فكيف تجعلون بعض مخلوقاته شركاء له في عبادته؟! ومن قدر على خلق هذه الأشياء العظيمة كيف يعقل الكفر به؟!
إنه تعالى خلق الأرض في يومين، وتمّم بقية مصالحها في يومين آخرين، وخلق السموات بأسرها في يومين آخرين. والمراد باليوم: الوقت مطلقا، لا اليوم المعروف، لأنه لم يكن هذا النظام قد وجد بعد.
والخلاصة: إن الآية إنكار من الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره، وهو الخالق لكل شيء، القاهر لكل شيء، المقتدر على كل شيء.
ثم أتمّ تعالى ما يقتضيه حسن العيش في الأرض بإيجاد ثلاثة أنواع فيها، فقال:
١- وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها أي جعل في الأرض جبالا ثوابت مرتفعة عليها، فهي التي تحفظ الأرض من الاضطراب، وتخزن المياه والمعادن، وترشد إلى الطرق، وتحفظ الهواء والسحاب، وهذا كقوله تعالى: وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ [المرسلات ٧٧/ ٢٧].
٢- وَبارَكَ فِيها أي جعل الأرض مباركة كثيرة الخير، بما خلق فيها من منافع العباد، إذ جعل تربتها مصدرا للخير والرزق بإنبات النباتات المختلفة فيها، وإيداعها الثروة المعدنية والنفطية والمائية.
٣- وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أي قدّر فيها أرزاق أهلها، وما يصلح لمعاشهم من الأشجار والمنافع، وجعل في أقطارها ما يناسب سكانها من أطعمة ونباتات، وأوجد في كل أرض ما لا يصلح في غيرها.
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ أي إنه تعالى أتمّ معايش أهل الأرض في تتمة أيام أربعة باليومين المتقدّمين. وإنما ذكر هذه الأيام الأربعة للدلالة على أنها كانت مستغرقة بالأعمال من غير زيادة ولا نقصان، وذلك في يومي الثلاثاء والأربعاء، فهما مع اليومين السابقين أربعة.
فإتمام حوائج الأرض ومتطلباتها في أيام أربعة كاملة لأجل السائلين، أي الطالبين للأقوات المحتاجين إليها، أو جوابا على سؤال السائلين القائلين بطبيعتهم: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ وإنما قال: سَواءً للدلالة على أن تلك الأيام الأربعة كانت متساوية غير مختلفة. وتخصيص الأرض بالأنواع الثلاثة: الرواسي والبركة وتقدير الأقوات إشارة إلى الاعتناء بأمر المخاطبين، فكان الأجدر بهم ألا يحصل منهم كفر أو شرك.
ثم ذكر الله تعالى خلق السماء، فقال:
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ، وَهِيَ دُخانٌ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ أي ثم عمد وقصد وتوجه توجّها كاملا إلى السماء حسبما تقتضي الحكمة، وهي كتلة غازية مظلمة تشبه الدخان أو السحاب أو السديم (وهو عالم السديم في اصطلاح العلماء) فأمر بأن تكون بشمسها وقمرها ونجومها، كما أمر بتكوين ما في الأرض من أنهار وثمار ونبات، فتمّ خلقهما، وأتت السماء والأرض منقادتين خاضعتين للأمر الإلهي طائعين أو مكرهين. وهذا هو المراد بقوله تعالى لتلك العوالم السماوية والأرضية: ائتيا طائعتين أو كارهتين، فأجابتا بقولهما: أتينا طائعين. قيل: إن خلق السموات وما فيها تمّ في يوم الخميس والجمعة. وفائدة قوله تعالى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ.. إظهار كمال القدرة والتقدير.
قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ..: قال الله تبارك وتعالى للسموات: أطلعي شمسي وقمري ونجومي، وقال للأرض:
شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك، قالتا: أتينا طائعين.
وبه يتبين أن قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً.. هو كناية عن إيجاد السماء والأرض. وإنما
خصص الاستواء بالسماء دون الأرض مع توجهه توجها كاملا لخلقهما هو رعاية السماء في مقابل تقدير الأرض.
والتوفيق بين هذه الآية: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ.. وآية وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات ٧٩/ ٣٠]، المشعر بأن خلق الأرض حصل بعد خلق السماء: هو أن يقال- كما ذكر الرازي-: إنه تعالى خلق الأرض في يومين أولا، ثم خلق بعدها السماء، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض أي بسطها، فيزول التناقض «١». ثم ناقش الرازي هذا الجواب واستشكله من وجوه.
وقال أبو حيان: والمختار عندي أن يقال: خلق السماء مقدم على خلق الأرض، وتأويل الآية أن الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد، بل الخلق عبارة عن التقدير، وهو في حقّه تعالى حكمه أن سيوجد، وقضاؤه بأن سيحدث كذا في مدة كذا: لا يقتضي حدوثه في ذلك الحال، فلا يلزم تقديم إحداث الأرض على إحداث السماء «٢».
والمقصود بهذا أن المراد من خلق الأرض، وجعل الرواسي فيها، والمباركة فيها، وتقدير أقواتها فيها هو التقدير، أي قدر خلق الأرض والسماء، ويكون الإتيان طوعا أو كرها بيانا لكيفية التكوين إثر بيان كيفية التقدير. وعلى كل حال يمكن فهم قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ بأن الترتيب في الذكر فحسب، لا الترتيب في الواقع، فإن خلق السماء كان في رأي أبي حيان قبل خلق الأرض.
والسبب في ذكر السماء مع الأرض وأمرهما بالإتيان، والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين: هو أن الله قد خلق جرم الأرض أولا غير مدحوة أي غير
(٢) تفسير البحر المحيط: ٧/ ٤٨٧- ٤٨٨
منبسطة، ثم دحاها بعد خلق السماء، كما قال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات ٧٩/ ٣٠]، والمعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، ائت يا أرض مدحوة قرارا ومهادا لأهلك، وائت يا سماء مقببة سقفا لهم، ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع.
ودحو الأرض وبسطها إنما هو بالنسبة لنظر الناظر وموقع الإنسان الذي يعيش عليها، والحقيقة أن الأرض كرة منذ أول حدوثها.
وإتيان الأرض طائعة يدلّ على حركتها المستمرة الطائعة على وفق قانون الجاذبية الأرضية، فهي مجذوبة إلى الشمس التي هي أصلها بحركة دورية دائمة طوعا لا قسرا، وإتيان الأرض والسماء دليل على حركتهما، فالأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، والشمس تدور حول نفسها وحول شموس أخرى أكبر منها.
وبعد أن ذكر الله تعالى تمام خلق الأرض، ذكر كيفية تكوين السموات السبع وبيان نظامها، فقال: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ، وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها أي فأتمّ خلق السموات السبع وأحكمهنّ وفرغ منهن في مقدار يومين أو نوبتين سوى الأيام الأربعة التي خلق فيها الأرض، فأصبح خلق السموات والأرض في أيام ستة كما قال تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ «١». قال مجاهد: ويوم من الأيام الستّة كألف سنة مما تعدّون.
وأوحى في كل سماء أمرها، أي جعل فيها النظام الذي تجري عليه الأمور فيها، قال قتادة: أي خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها (مداراتها) وما فيها من الملائكة والبحار والبرد والثلوج.
٤].
وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أي وزيّنّا سماء الدنيا بكواكب منيرة مضيئة مشرقة على أهل الأرض، متلألئة عليها كتلألئ المصابيح، وخلقنا المصابيح زينة وحفظا من الشياطين الذين يسترقون السمع، وحفظناها من الاضطراب في سيرها، ومن اصطدام بعضها ببعض، فهي تسير في نظام محكم وعلى منهج ثابت.
ذلك النظام البديع هو من ترتيب الله القادر على صنع كل شيء، والذي يعلم كل شيء، فهو القوي القاهر الذي غلب كل شيء وقهره، وهو العليم بمصالح العباد وبحركاتهم وسكناتهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
١- أمر الله تعالى بتوبيخ الكفار المشركين والتّعجب من فعلهم وكفرهم بالله الذي هو خالق السموات والأرض، واتّخاذهم الأضداد والشركاء من الأصنام وغيرها معبودات مع الله الذي خلقها وخلق جميع العوالم من الملائكة والإنس والجن وغيرهم، وخلق الأرض في يومي الأحد والاثنين.
٢- إن الخلق والتكوين والإبداع هو دليل قاطع على وجود الله وكمال قدرته وحكمته وعلمه الشامل.
٣- والله تعالى أيضا هو الذي جعل في الأرض جبالا ثوابت مرتفعة عليها، وبارك فيها بما خلق فيها من المنافع، وقدّر أرزاق أهلها ومصالحهم، وذلك في يومي الثلاثاء والأربعاء، فذلك تمام الأيام الأربعة مع اليومين المتقدمين في خلق الأرض، وهي أيام أربعة مستوية لا زيادة فيها ولا نقصان، للسائلين وغير السائلين، أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لا يسأل.
٤- ثم عمد تعالى إلى السموات وهي في حالة دخان أي كتلة غازية مظلمة، فنقلها من صفة الدخان إلى حال الكثافة، وتمّ الأمر الإلهي للأرض والسماء بأن يجيئا بما خلق فيهما من المنافع والمصالح والخروج للخلق، فاستجابتا للأمر وانقادتا له.
٥- أكمل الله تعالى خلق السموات السبع وفرغ منهن في مقدار يومين هما يوما الخميس والجمعة، سوى الأيام الأربعة التي خلق فيها الأرض، فصار خلق السموات والأرض في أيام ستة، كما قال تعالى خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.
٦- لم يكن خلق السموات خاليا من النظام، وإنما نظم تعالى أمرها، فخلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وأوجد في كل سماء ملائكة، وأودع فيها خزائن المطر، وجعل لها نظاما بديعا تسير عليه دون توقّف ولا تعثّر ولا تصادم مع غيرها، وجعل الكواكب مختصة بالسماء الدنيا، وحفظها من كل اضطراب ومن الشياطين الذين يسترقون السمع.
٧- ظاهر هذه الآية يدلّ على أن الأرض خلقت قبل السماء، وقال تعالى في آية أخرى: أَمِ السَّماءُ بَناها، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات ٧٩/ ٢٧- ٣٠]، وهذا يدلّ على خلق السماء أولا.
فقال ابن عباس: خلقت الأرض قبل السماء، فأما قوله: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فالدّحو غير الخلق، فالله خلق الأرض، ثم خلق السموات، ثم دحا الأرض، أي مدّها وبسطها. وأيّده ابن كثير قائلا: ففصل ها هنا في هذه الآيات ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء، فذكر أنه خلق الأرض أولا، لأنها كالأساس، والأصل أن يبدأ بالأساس، ثم بعده بالسقف، كما قال عزّ وجلّ:
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ، فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [البقرة ٢/ ٢٩].
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي