*قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين( ٩ ) .
يأمر الله تعالى نبيه أن يسوق دليلا على وحدانية البارئ المقتدر ؛ وبدأ بتوبيخ المشركين والتعجيب من حالهم وإنكار ما ذهبوا إليه ؛ فكأن المعنى : لما تكفرون بالله وهو خالق الأرض.. ومقدر أقواتها.. وخالق السماء وطباقها وهو المدبر لأمرها ؟ !
والكفر-أعاذنا الله منه- قد ينصرف إلى المعنى العام وهو الجحود، إذ هو من كفر بمعنى غطّى وستر، فالكافر يخفي حقيقة بين جوانحه تنادي أنه مخلوق والله خالقه : .. فطرة الله التي فطر الناس عليها.. ١.
وإن في الأرض لعبرا، وإنها لمملوءة خيرا، فمن التراب أنشأ الله أبو البشر آدم، وفي باطنها يُقْبرُ الأناسيّ، ثم منها يكون نشورهم : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ٢. وشاء البارئ-جل علاه- أن يجعلها في حيّز لا تصلح بعيدا عنه، وبحجم لو كان أكبر أو أصغر مما هو عليه لاستحالت الحياة فوقها، ولو كان سمك قشرة الأرض أكثر- ولو قليلا- من سمكها الحالي لما وجد الأكسجين في غلافها الجوي- وبدونه لا حياة- ولو قل سمك الغلاف الغازي لما أمكن حماية الحياة على الأرض من الأشعة الكونية، ولما أمكن الاحتفاظ للأرض بمتوسط حرارتها الثابت.
فكيف يجحد الجاحدون ؟ وكيف تتراءى هذه الآيات ثم هم يصدفون ؟ !
وبعد أن أنكر على أهل الكفر في عمومهم، أبطل ما ذهب إليه المشركون من ادعائهم الأشباه والنظراء لله الخلاق-جل علاه-إذ هو رب العوالم كلها إنسها وجنها ومَلَكِها، وكوكبها وفلكها، ونباتها وحيوانها، فهل المخلوق المحتاج في وجوده إلى من يوجده ويحفظه يستطيع أن يوجد شيئا أو يخلق حبة وذرة ؟ ! العقل يحيل ذلك، والله يشهد، وأولوا العلم يشهدون أن الله هو الخلاق العليم، وكفى بالله شهيدا.
٢ سورة طه. من الآية ٥٥..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب