ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب( ١٣ )وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ( الشورى : ١٣-١٤ ).
تفسير المفردات : أقيموا الدين : أي حافظوا عليه، ولا تخلوا بشيء من مقوماته، والمراد بالدين دين الإسلام، وهو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله، واليوم الآخر، وسائر ما يكون به العبد مؤمنا، ولا تتفرقوا فيه : أي ولا تختلفوا فيه، فتأتوا ببعض وتتركوا بعضا، كبر : أي عظم وشق عليهم، يجتبي : أي يصطفي، ينيب : أي يرجع.
المعنى الجملي : بعد أن عظم وحيه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وأبان ماله من كبير الخطر حين نسبه إليه تعالى، وأنه صادر من عزيز حكيم لا يوحي إلا بما فيه مصلحة البشر ومنفعتهم في دينهم ودنياهم – ذكر هنا تفصيل هذا الوحي، وأرشد إلى أنه هو الدين الذي وصى به أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة ؛ وأردف ذلك أن المشركين يشق عليهم دعوتهم إلى التوحيد وترك الأنداد والأوثان، وأن الله يهدي من يشاء من عباده لهدى دينه، وأنهم ما خالفوا الحق إلا بعد إبلاغه إليهم، وقيام الحجة عليهم، وأنه ما حملهم على ذلك إلا البغي والعدوان والحسد، وأنه لولا الكلمة السابقة من الله بإنظار المشركين بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد لعجل لهم العقوبة في الدنيا، وأن من اعتنقوا الأديان من بعد الأجيال الأولى ليسوا على يقين من أمرهم وإيمانهم، وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم، وشك مريب وشقاق بعيد.
الإيضاح : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أي شرع لكم من الدين ما شرع لنوح ومن بعده من أرباب الشرائع وأولي العزم من الرسل، وأمرهم به أمرا مؤكدا ؛ وتخصيص هؤلاء الأنبياء بالذكر، لعلو شأنهم وعظيم شهرتهم، ولاستمالة قلوب الكفار إلى أتباعه، لاتفاق كلمة أكثرهم على نبوتهم، واختصاص اليهود بموسى عليه السلام، والنصارى بعيسى عليه السلام وإلا فكل نبي مأمور بما أمروا به من إقامة دين الإسلام وهو التوحيد، وأصول الشرائع والأحكام مما لا يختلف باختلاف الأعصار كالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة واكتساب مكارم الأخلاق وفاضل الصفات.
وفي الآية إيماء إلى أن ما شرعه لهم صادر عن كامل العلم والحكمة، وأنه دين قديم أجمع عليه الرسل، وما أوحاه إليه هو إما ما ذكر في صدر السورة، وفي قوله : وكذلك أوحينا الآية.
وإما ما يعمهما وغيرهما مما وقع في سائر المواضع التي من جملتها قوله تعالى : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ( النحل : ١٢٣ )وقوله : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ( الكهف : ١١٠ ).
ثم فصل ما شرعه بقوله :
أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه أي اجعلوا هذا الدين وهو دين التوحيد والإخلاص لله قائما دائما مستمرا، واحفظوه من أن يقع فيه زيغ أو اضطراب، ولا تتفرقوا فيه، بأن تأتوا ببعض وتتركوا بعضا، أو بأن يأتي بعض منكم بهذه الأصول التي شرعت لكم ويتركها بعض آخر.
والنهي إنما هو عن التفرق في أصول الشرائع، أما التفاصيل فلم يتحد فيها الأنبياء كما يشير إلى ذلك قوله تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ( المائدة : ٤٨ ).
والخلاصة : إننا شرعنا لكم ما شرعنا للأنبياء قبلكم، دينا واحدا في الأصول وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، والتقرب بصالح الأعمال، كالصدق والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحرمنا عليكم الزنى، وإيذاء الخلق، والاعتداء على الحيوان – فكل هذا قد اتحد فيه الرسل وإن اختلفوا في تفاصيله.
كبر على المشركين ما تدعوهم إليه أي شق على المشركين دعوتهم إلى التوحيد، وترك عبادة الأصنام والأوثان، وتقريعهم على ذلك، لأنهم توارثوا ذلك كابرا عن كابر ونقلوه عن الآباء والأجداد كما حكى سبحانه عنهم بقوله : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ( الزخرف : ٢٣ ).
وبعد أن أرشد المؤمنين إلى التمسك بالدين – ذكر أنه إنما هداهم إلى ذلك، لأنه اصطفاهم من بين خلقه فقال :
الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب أي الله يصطفي من يشاء من عباده ويقربهم إليه تقريب الكرامة، ويوفق للعمل بطاعته واتباع ما بعث به نبيه عليه من الحق – من راجع التوبة من معاصيه، وهذا كما روي في الخبر :( من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة )أي من أقبل إلي بطاعته أقبلت إليه بهدايتي وإرشادي، بأن أشرح له صدره، وأسهل له أمره.


المعنى الجملي : بعد أن عظم وحيه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وأبان ماله من كبير الخطر حين نسبه إليه تعالى، وأنه صادر من عزيز حكيم لا يوحي إلا بما فيه مصلحة البشر ومنفعتهم في دينهم ودنياهم – ذكر هنا تفصيل هذا الوحي، وأرشد إلى أنه هو الدين الذي وصى به أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة ؛ وأردف ذلك أن المشركين يشق عليهم دعوتهم إلى التوحيد وترك الأنداد والأوثان، وأن الله يهدي من يشاء من عباده لهدى دينه، وأنهم ما خالفوا الحق إلا بعد إبلاغه إليهم، وقيام الحجة عليهم، وأنه ما حملهم على ذلك إلا البغي والعدوان والحسد، وأنه لولا الكلمة السابقة من الله بإنظار المشركين بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد لعجل لهم العقوبة في الدنيا، وأن من اعتنقوا الأديان من بعد الأجيال الأولى ليسوا على يقين من أمرهم وإيمانهم، وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم، وشك مريب وشقاق بعيد.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير