ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

الربع الثاني من الحزب التاسع والأربعين في المصحف الكريم
في بداية هذا الربع يؤكد كتاب الله قاعدة أساسية من القواعد التي قام عليها الإسلام، ألا وهي أن الدين الذي بعث الله به الأنبياء والرسل جيلا بعد جيل إنما هو في جوهره دين واحد، متسم بطابع الوحدة والتسلسل عبر القرون، وذلك لأن منبع الدين ومصدر الوحي واحد أزلا وأبدا، وهو الله تعالى الذي خلق الكون وسن لتسييره السنن والنواميس الطبيعية المناسبة، وخلق الإنسان وسن لسلوكه السنن والنواميس الأخلاقية الملائمة، ألا له الخلق والأمر ( ٥٤ : ٧ )، وهذه القاعدة الأساسية من قواعد الإسلام هي التي تفسر ما فرضه الله على المسلم من الإيمان بالله وبجميع رسله وجميع كتبه دون تمييز ولا استثناء، حتى أن من كفر برسول واحد أرسله الله، أو كتاب منزل من عند الله، يعتبر في دين الإسلام كافرا غير مؤمن، فالمسلم يحترم النبوات والرسالات جميعا، والمسلم يؤمن بالكتب المنزلة كلها ما دامت محتفظة بنصها الأصلي، لا يستثنى من ذلك شيئا إلا ما أدخل على نصوصه ( تحريف ) أو ( تأويل سيئ )، مما قام به الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وبفضل هذه العقيدة الأساسية في الإسلام لا يحس المسلم بأي حقد أو عقدة نفسية نحو بقية الأنبياء والرسل، فضلا عن أن ينظر بعين النقص إلى مقامهم الرفيع عند الله، جملة أو تفصيلا.
وكما أكد كتاب الله في هذا السياق معنى الوحدة الاعتقادية والدينية، القائمة بين جميع الأنبياء والرسل، تبعا لوحدة الواحد الأحد، واهب النبوات والرسالات، الذي نبأهم وأرسلهم إلى خلقه، فإنه حض المؤمنين جميعا على حفظ تلك الوحدة الدينية التي تمسك بها الأنبياء والرسل، وأمرهم بصيانتها من عوامل الفرقة والاختلاف.
وهذا التوجيه القرآني- وإن كان موجها بالأصالة إلى المسلمين- فإنه يمكن أن يمتد أثره حتى إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بل إلى نفس المشركين العرب، ما داموا يدعون أنهم من بقايا ملة إبراهيم، فهؤلاء جميعا إذا أنصفوا وراجعوا أنفسهم، وعادوا إلى المنبع الأول والصافي للدين الحق، يلتقون جميعا في نقطة واحدة، ويجتمعون على كلمة سواء، وهي كلمة الإسلام، وذلك قوله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه .
قال ابن كثير في تفسيره : يقول تعالى لهذه الأمة :{ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ، فذكر أول الرسل بعد آدم عليه السلام، وهو نوح عليه السلام، وآخرهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر مَنْ بينَ ذلك من أولي العزم، وهم إبراهيم وموسى وعيسى، وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة، كما اشتملت آية الأحزاب عليهم في قوله تبارك وتعالى ( ٧ : ٣٣ ) : وإذا أخذنا من النبيئين ميثاقهم، ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم الآية. والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال عز وجل : وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ( الأنبياء : ٢٥ ) وفي الحديث :( نحن معشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد )، أي : أن القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم، كقوله جل جلاله ( ٤٨ : ٥ ) : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ، انتهى ما قاله ابن كثير.
وذكر أبو بكر ( ابن العربي ) المعافري في كتابه ( أحكام القرآن ) عند تفسيره لقوله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا نبذة مهمة تلقي كثيرا من الأضواء على هذا الموضوع إذ قال :( إن آدم كان أول نبي بغير إشكال، غير أنه لم يكن معه إلا بنوه، ولم تفرض له الفرائض، ولا شرعت له المحارم، وإنما كان ما عنده تنبيها على بعض الأمور، واقتصار على ضرورات المعاش، وأخذا بوظائف الحياة والبقاء )، ثم قال ابن العربي :( واستقر المدى إلى نوح، وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، فبعثه الله بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ووظف عليه الواجبات، وأوضح له الآداب في الديانات، ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل، ويتناصر بالأنبياء صلوات الله عليهم، واحدا بعد واحد، وشريعة إثر شريعة، حتى ختمها الله بخير الملل، ملتنا، على لسان أكرم الرسل، نبينا صلى الله عليه وسلم، فكان المعنى -أي معنى الآية- أوصيناك يا محمد ونوحا دينا واحدا، يعني في الأصول التي لا تختلف فيها الشرائع، وهي : التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، والتقرب إلى الله تعالى بصالح الأعمال، والتزلف إليه بما يرد القلب والجارحة إليه، والصدق، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وتحريم الكفر والقتل والزنا، وتحريم الإذاية للخلق كيفما كانت، وتحريم الاعتداء على الحيوان كيفما كانت، وتحريم اقتحام الدناءات، وما يعود بخرم المروءات، فهذا كله شرع دينا واحدا، وملة متحدة، لم يختلف على ألسنة الأنبياء، وإن اختلفت أعدادهم، وذلك قوله تعالى : أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ، أي : اجعلوه قائما، يريد : دائما مستمرا، محفوظا مستقرا، من غير خلاف فيه، ولا اضطراب عليه، فمن الخلق من وفى بذلك، ومنهم من نكث به، ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) ( ١٠ : ٤٨ ) وختم ( ابن العربي ) تحليله لهذا الموضوع ) قائلا :( واختلفت الشرائع وراء هذا في معان، حسبما أراده الله، مما اقتضته المصلحة، وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم، والله أعلم ).
ثم مضى كتاب الله يبين السر في موقف العناد الذي يقفه المشركون من الرسول عليه السلام، وأنهم فوجئوا بما اختاره الله له من الرسالة دونهم جميعا : كبر على المشركين ما تدعوهم إليه. الله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب( ١٣ ) .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير