ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

(شرع لكم) أي بين وأوضح وسن وأظهر طريقاً واضحاً، وهو خبر حادي عشر (من الدين) أي ديناً تطابقت على صحته الأنبياء، والخطاب لأمة محمد ﷺ (ما وصى به نوحاً) من التوحيد ودين الإسلام، وأصول الشرائع التي لم يختلف فيها الرسل، وتوافقت عليها الكتب، وإنما خص نوحاً لأنه أول الأنبياء أصحاب الشرائع، والمعنى قد وصيناه وإياك يا محمد ديناً واحداً، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال في حديث الشفاعة المشهور الكبير:
" ولكن ائتوا نوحاً فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض " وهذا صحيح لا إشكال فيه كما أن آدم أول رسول نبىء بغير إشكال إلا أن آدم لم يكن معه إلا نبوة، ولم تفرض له الفرائض، ولا شرعت له المحارم، وإنما كان شرعه تنبيهاً على بعض الأمور واقتصاراً على ضرورات المعاش، وأخذاً بوظائف الحياة والبقاء واستمر إلى نوح فبعثه الله بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ووظف عليه الواجبات، وأوضح له الآداب والديانات، ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل ويتناصر بالأنبياء عليهم السلام واحداً بعد واحد وشريعة

صفحة رقم 283

اثر شريعة حتى ختمها بخير الملل ملتنا على لسان أكرم الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
(والذي أوحينا إليك) من القرآن وشرائع الإسلام والبراءة من الشرك والتعبير عنه عند نسبته إلى النبي ﷺ بالذي هو أصل الموصلات لتفخيم شأنه من تلك الحيثية، وخص ما شرعه لنبينا محمد ﷺ بالإيحاء مع كون ما قبله وما بعده مذكوراً بالتوصية، للتصريح برسالته، القامع لإنكار الكفرة، وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم بنون العظمة لكمال الاعتناء بالإيحاء إليه، وهو السر في تقدمه على ما بعده مع تقدمه عليه زماناً وتقديم توصية نوح للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم ديناً قديماً وتوجبه الخطاب إليه ﷺ بطريق التلوين للتشريف والتنبيه، على أنه تعالى شرعه لهم على لسانه عليه الصلاة والسلام.
(وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) مما تطابقت عليه الشرائع وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع المعظمة والأتباع الكثيرة؛ وأولو العزم، ولميل قلوب الكفرة إليهم لاتفاق الكل على نبوة بعضهم، وتفرد اليهود في موسى، والنصارى في عيسى، وكل من هؤلاء المذكورين له شرع جديد، ومن عداهم من الرسل إنما كان يبعث بتبليغ شرع من قبله فشيث وإدريس بعثا بتبليغ شرع آدم، ومن بين نوح وإبراهيم وهما هود وصالح بعثا بتبليغ شرع نوح، ومن بين إبراهيم وموسى بعثوا بتبليغ شرع إبراهيم وكذا من بين موسى وعيسى بعثوا بتبليغ شرع موسى فليتأمل، ثم بين ما وصى به هؤلاء فقال:
(أن أقيموا الدين) أي توحيد الله، والإيمان به وطاعة رسله، وقبول شرائعه والمراد بإقامته تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ أو المواظبة عليه، والتشمير له، وقال السدي: أي اعملوا به وقيل: المراد سائر ما يكون المرء بإقامته مسلماً ولم ترد به الشرائع فإنها مختلفة، قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) قال مجاهد: لم يبعث الله نبياً إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة فذلك دينه الذي شرع لهم، وقال

صفحة رقم 284

قتادة: يعني تحليل الحلال وتحريم الحرام.
قال القرطبي: الأصول التي لا تختلف فيها الشرائع هي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الكفر والقتل والزنا والإذاية للخلق، كيفما تصورت، والإعتداء على الحيوان كيفما دار، واقتحام الدناءات، وما يعود بخرم المروءات فهذا كله مشروع ديناً واحداً، وملة واحدة لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعذارهم، وذلك قوله تعالى: أن أقيموا الدين الخ.
ثم لما أمرهم سبحانه بإقامة الدين نهاهم عن الإختلاف فيه فقال: (ولا تتفرقوا فيه) أي لا تختلفوا في التوحيد والإيمان بالله، وطاعة رسوله، وقبول شرائعه فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع وتوافقت فيها الأديان، فلا ينبغي الخلاف في مثلها، وليس هذا من فروع المسائل التي تختلف فيها الأدلة وتتعارض فيها الأمارات، وتتباين فيها الأفهام، فإنها من مطارح الاجتهاد، ومواطن الخلاف.
قال القرطبي في الآية أي اجعلوه دائماً قائماً مستمراً محفوظاً مستقراً، من غير خلاف فيه ولا اضطراب، فمن الخلق من وفى بذلك ومنهم من نكث، (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه).
واختلفت الشرائع وراء هذه في أحكامه حسبما أراد الله مما اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم والله أعلم.
قال قتادة في الآية: ألا تعلمون أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة وقال على الجماعة رحمة والفرقة عذاب. ثم ذكر سبحانه أن ما شرعه من الدين شق على المشركين فقال:
(كبر) أي عظم وشق (على المشركين ما تدعوهم إليه) من التوحيد ورفض الأوثان، قال قتادة اشتد عليهم شهادة أن لا إله إلا الله وحده، وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن ينصرها ويعليها ويظهرها، ويظفرها كل من ناوأها، والأولى التعميم لدلالة السياق ولا يمنعه تخصيص

صفحة رقم 285

المشركين بالذكر كما لا يخفي ثم خص أولياءه فقال:
(الله يجتبي إليه) استئناف وارد لتحقيق الحق وفيه إشعار بأن منهم من يجيب إلى الدعوة، والاجتباء الاختيار، والمعنى يختار لتوحيده والدخول في دينه، افتعال من الجباية وهي الجمع على طريق الاصطفاء، واجتباء الله العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي لتحصل له أنواع النعم بلا سعي منه (من يشاء) من عباده، قال قتادة: يخلص لنفسه من يشاء.
(ويهدي إليه من ينيب) أي يوفق لدينه ويستخلص لعبادته من يرجع إلى طاعته، ويقبل إلى عبادته ثم لما ذكر سبحانه ما شرعه لهم من إقامة الدين وعدم التفرق فيه ذكر ما وقع من التفرق والاختلاف فقال:

صفحة رقم 286

فتح البيان في مقاصد القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي

راجعه

عبد الله بن إبراهيم الأنصاري

الناشر المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 15
التصنيف التفسير
اللغة العربية