ثم قال تعالى : والذين يجتنبون كبائر الإثم أي : الكبائر من هذا الجنس. وقرأ الأخوان :" كبير الإثم ". قال ابن عباس : هو الشرك، و يجتنبون الفواحِشَ وهي ما عظم قُبحها، كالزنى ونحوه، وإِذا ما غَضِبوا من أمر دنياهم هم يغفرون أي : هم الإخِصَّاء بالغفران في حال الغضب، فيحملون، ويتجاوزون. وفي الحديث :" مَن كظم غيظه في الدنيا ردّ اللهُ عنه غضبَه يوم القيامة١ ".
وأما صفات عمر : فقوله : والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ؛ لأن ذلك هو التقوى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنا مدينة التقوى وعُمَر بابها "، وقوله : وإذا ما غَضبوا هم يغفرون ، وقوله : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجونَ أيام الله نزلت في عمر. وأما صفات عثمان ؛ فقوله : والذين استجابوا لربهم ؛ لأن عثمان لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام بادر إليه، وقوله : وأقاموا الصلاة ؛ لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اللَّيْلِ سَاجِداً... [ الزمر : ٩ ] الآية.
ورُوي أنه كان يُحيي الليلَ بركعة، يقرأ فيها القرآن كله. وقوله : وأمرهم شورى بينهم ؛ لأن عثمان وَلِيَ الخلافة بالشورى، وقوله : ومما رزقناهم يُنفقون ؛ لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهّز جيش العسرة.
وأما صفات عليّ ؛ فقوله : والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ؛ لأنه لمَّا قاتلته الفئة الباغية قاتلها، انتصاراً للحق، وانظر كيف سمى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعليّ الفئةَ الباغية، حسبما ورد في الحديث الصحيح، أنه قال لعمّار :" ويْحَ عمّارٍ، تقتلُه الفئةُ الباغيةُ٣ " وذلك هو البغي الذي أصابه، وقوله : فمَن عفا وأصلح فأجره على الله إشارة إلى فعل الحسن بن عليّ، حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه، ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن :" إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، وسَيُصْلِحُ اللهُ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين٤ ". وقوله : ولَمَن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت أخيه، وطلبه للخلافة، وانتصاره من بني أمية. وقوله : إنما السبيل على الذين يظلمون الناس إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس، كما في الحديث :" إنهم جعلوا عباد الله خُوَلاً، ومال الله دُولاً، فيكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون عليّ بن أبي طالب على منابرهم. وقوله : ولمَن صبر وغفر إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، طول مدة بني أمية٥. هـ.
الإشارة : قوله تعالى : فما أُوتيتم من شيءٍ فمتاع الحياة الدنيا أي : وينقصُ من درجاتكم في الآخرة بقدر ما تمتعتم به، كما في الخبر، ولذلك زهَّد فيه بقوله : وما عند الله خيرٌ وأبقى... الآية، أي : وما عند الله من الثواب الموعود خير من هذا القليل الموجود. والذين يجتنبون كبائر الإثم هي أمراض القلوب، كالحسد والكبر والرياء وغيرها، والفواحش هي معاصي الجوارح كالزنا وغيره. وقوله تعالى : وإذا ما غَضِبُوا هم يغفرون لم يقل الحق تعالى : والذين لم يغضبوا ؛ لأن الغضب وصف بشري، لا ينفك عنه مخلوق، فالمطلوب المجاهدة في دفعه، وردّ ما ينشأ عنه، لا زواله من أصله، فعدم وجوده في البشر أصلاً نقص، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه :" مَن اسْتُغضِب ولم يغضب فهو حمار " فالشرف هو كظمه بعد ظهوره، لا زواله بالكلية.
وقوله تعالى : والذين استجابوا لربهم قال القشيري : المستجيبُ لربه هو الذي لا يبقى له نَفَسٌ إلا على موافقة رضاه، ولا يبقى لهم منه بقية، وأمرهم شورى بينهم أي : لا يستبدُّ أحدهم برأي، ويتَّهِمُ رأيَه وأمرَه، ثم إذا أراد القطعَ توكل على الله. هـ.
وحاصل ما اشتملت عليه الآية في رد الغضب : أربع مقامات :
الأول : قوم من شأنهم الغفران مطلقاً، قدروا أو عجزوا، لا يتحركون في الانتصار قط، وهو قوله تعالى : وإِذا ما غَضِبُوا هم يغفرون .
والثاني : قوم قادرون على إنفاذ الغضب، فتحركوا في الانتصار، ثم عفوا بعد الاقتدار، وهذا قوله : والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ، ثم قال : فمَن عفا وأصلح فأجره على الله .
والثالث : قوم قدروا وانتصروا، وأخذوا حقهم، لكن وقفوا عند ما حدّ لهم، وهو قوله : ولمَن انتصر بعد ظلمه... الآية.
والرابع : قوم ظُلِموا، فعفوا، وزادوا الإحسان إلى مَن أساء إليهم، والدعاء له بالمغفرة، حتى يصير مرحوماً بهم، وهي رتبة الصدّيقية، أن ينتفع بهم أعداؤهم، وهو قوله تعالى : ولمَن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ، ولذلك جعل الله هذا القسم من عزم الأمور.
وعند الصوفية : ثلاث طبقات : العامة ينتصرون، والخاصة لا ينتصرون، لكن يرفعون أمرهم إلى الله في أخذ حقهم من ظالمهم، وخاصة الخاصة يُحسنون لمَن أساء إليهم، كما تقدّم. وقال القشيري : والذين إذا أصابهم البغي وهو الظلم، ينتصرون ؛ لعِلمهم أن الظلمَ أصابهم من قِبَلِ أنفسهم، فينتصرون من الظالم، وهو النفس، ويكبحون عنانها من الركض في ميدان المخالفة. ثم قال : قوله : ولمَن انتصر... الآية، عَلِمَ اللهُ أنَّ من عباده مَن لا يجد الحرية من أحكام النَّفْس، ولا يستمكن من محاسن الخُلق، فرخَّص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط، وإن كان الأوْلى بهم الصفح والعفو. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي