ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٧:كما تناولت الآيات ذكر ( الشورى ) بين المسلمين، ومن أجل ذلك أطلق على هذه السورة اسم ( سورة الشورى ) تنويها بها، فقال تعالى : والذين يجتنبون كبار الإثم والفواحش، وإذا ما غضبوا هم يغفرون( ٣٧ ) والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون( ٣٨ ) والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون( ٣٩ ) ، ففي هذه الآية الكريمة وصف الله المؤمنين حقا بالأوصاف الكاشفة عن حقيقتهم، وبالنعوت المنبثقة عن عقيدتهم، فهم قبل كل شيء مجتنبون للآثام والفواحش، بحيث لا يقربونها، ملتزمون للاعتدال والرضى في علاقاتهم، مالكون لأنفسهم عند الغضب، سالمون من الحقد على غيرهم، وهم لا يختلفون عن الاستجابة لأوامر الله والعمل بتوجيهاته في مختلف الشؤون، وهم قوامون بالصلاة التي هي عماد الدين، يؤدونها ويؤدون لها حقها، فتنعكس آثارها الظاهرة والباطنة في حياتهم اليومية، وهم كرماء الأيدي لا يبخلون بالإحسان والأنفاق مما رزقهم الله، في وجوه الخير وسبيل المعروف، وهم أعزاء النفوس، لا يتحملون من خصوم الحق أي ضيم أو هوان، بل ينتصفون منهم، وينتصرون للحق وبالحق عليهم، وهم إلى جانب هذا كله، وفي هذا الجو الأخلاقي السليم، والروحي الطاهر، يتشاورون فيما بينهم في شؤونهم العامة، بنفوس طاهرة، وقلوب صافية، ولا غرض لهم من الشورى إلا تحقيق أهداف الإسلام السامية، ولأمر ما أدمجت الآية الكريمة صفة ( التشاور بين المسلمين ) ضمن مجموعة متناسقة من الصفات الضرورية، التي لا غنى للإسلام عنها، والتي لا يتحقق مدلوله بدونها، ولم تأت بصفة ( الشورى ) وحدها مجردة عن بقية الصفات، ولا منفصلة عن بقية الشروط، لأن الشورى في نظر الإسلام لا توتي أكلها، ولا تؤدي الغرض منها، إلا إذا كانت تحيطها كافة الضمانات الدينية والأخلاقية والنفسية المطلوبة في أهل الشورى، فهذه الآية الكريمة تعطي للمسلمين التوجيه الكافي، وتضع أيديهم على الصفات الضرورية، والمؤهلات البارزة، المطلوبة فيمن يختارونه ليكون من أهل الشورى، ومما تجب ملاحظته في هذا المقام - ونحن في سورة الشورى المكية- أن الشورى في الإسلام كانت من عقائده الأساسية التي برز بها وهو لا يزال في نفس مكة، والإسلام إذ ذاك لم يتمكن بعد من إقامة دولته الأولى بالمدينة المنورة، فعقيدة الشورى وعقيدة التوحيد برزتا في الإسلام في وقت واحد، وهما من خصائص المجتمع الإسلامي ومميزات الدولة الإسلامية منذ نشأتها الأولى. قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) المعافري عند تفسيره لهذه الآية :( الشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هدوا. ونقل عن بعض العقلاء أنه قال : ما أخطأت قط : إذا حزبني أمر شاورت قومي، ففعلت الذي يرون، فإن أصبت فهم المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون ).


التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير