فجهلهم الله تعالى بقوله : أهم يقسمون رحمة ربك أي أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاءوا، ويختارون لها من أرادوا ؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا وتولينا تدبير أسبابها بمشيئتنا المبينة على الحكم والمصالح، ولم نكله إليهم لعلمنا بعجزهم عنه. ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات في الرزق ومبادئ المعيشة ليتخذ بعضهم بعضا سخريا أي ليستخدم بعضهم بعضا في حوائجهم، ويسخر بعضهم بعضا في مهامهم ؛ فيكون بينهم من التعاون والترافد ما ينتظم به أمر المعاش والعمران، ولو كلنا ذلك إليهم لتهارجوا
وتهالكوا، واختل النظام، وتقوض العمران. وإذا كانوا عاجزين عن تدبير أسباب معيشتهم في الحياة الدنيا، فما ظنهم بأنفسهم في تدبير أمر الدين، وهو أعلى شأنا وأبعد شأوا من أمر الدنيا ! وكيف يتحكمون على الله في منصب الرسالة، ويتخيرون له من يشاءون ؟ إنهم لا علم لهم بالله، ولا بحكمه وشئونه وتدبيره، وقد اصطفى لرسالته من شاء من عباده بإرادته وحكمته، ولا معقب لحكمه. و " سخريا " – بضم أوله – من التسخير بمعنى التذليل. يقال : سخر الله السفينة تسخيرا، ذللها حتى جرت وطاب لها السير. وكل ما ذل وانقاد وتهيأ لك على ما تريد فقد سخر لك ؛ وهو سخري.
ورحمة ربك خير مما يجمعون تصغير لشأن الدنيا.
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف