عليها يتكؤن وزخرفا أي زينة عطف على سقف أو ذهبا كما في قوله تعالى : أو يكون لك بيت من زخرف ١ فهو معطوف على محل من فضة، وذلك أي تخصيص الدنيا بالكفار لكونها مبغوضة عند الله والكافر مبغوضا فيعطى المبغوض للمبغوض.
وإن كل ذلك المذكورات من سقف الفضة ومعارجها وأبوابها وسررها وزخرفها لما متاع الحياة الدنيا قرأ عاصم وحمزة وهشام بخلاف عنه لما مشددة فإن نافية ولما بمعنى إلا والمعنى وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا لا بقاء لها ولا اعتداد لها عند الله الباقون بتخفيف لما فإن مخففة من الثقيلة واللام فارقة وما زائدة و الآخرة أي الدار الآخرة متحققة عند ربك أي في علمه وقضائه للمتقين من الشرك والمعاصي فيه دلالة على أن العظيم هو العظيم في الآخرة لا في الدنيا وإشعارا بما لأجله لم تجعل زخارف الدنيا كلها للمؤمنين وجعل بعضها لأعداء الله وذلك أنها مبغوضة لله تعالى حرية أن تجعل كلها للكافرين لولا مخافة اجتماع الناس على الكفر ولو كانت حسنة مرضية لله تعالى يعط الكافر منها شيئا.
عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء وفي رواية قطرة ماء " ١ رواه الترمذي والضياء، وعن المستورد بن شداد أحد بني فهر قال كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السخلة الميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها ؟ فقالوا من هوانها ألقوها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها " ٢ رواه البغوي، وأخرج أبو نعيم عن داود بن هلال الضبي قال مكتوب في صحف إبراهيم عليه السلام يا دنيا ما أهونك على الأبرار الذين تزينت لهم إني قد قذفت في قلوبهم بغضك والصدود عنك ما خلقت أهون علي منك كل شأنك صغير وإلى الغنا تصير قضيت عليك يوم خلقتك أن لا تدومي لأحد ولا يدوم لك أحد وإن بخل بك صاحبك وشح عليك طوبى للأبرار الذين أطلعوني عن قلوبهم على الرضاء وأطلعوني من ضميرهم على الصدق والاستقامة طوبى لهم ما عندي من الجزاء إذا وفدوا إلي من قبورهم يسعى إمامهم والملائكة حافون بهم حتى أبلغ بهم إلى ما يرجون من رحمتي، وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ما كان من الله عز وجل " رواه الضياء، وروى ابن ماجه عن أبي هريرة والطبراني في الأوسط بسند صحيح عن ابن مسعود مرفوعا نحوه بلفظ " إلا ذكر الله وما والاه أو عالما أو متعلما " ٣ والبزار عن ابن مسعود نحوه بلفظ " إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكر الله " والطبراني في الكبير بسند صحيح عن أبي الدرداء مرفوعا نحوه بلفظ " إلا ما ابتغى به وجه الله عز وجل " وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له ) رواه أحمد والبيهقي بسند صحيح ورواه البيهقي عن ابن مسعود موقوفا، وعن ابن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الدنيا سجن المؤمن وسنته فإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة " رواه أحمد والطبراني والحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " ٤ رواه أحمد ومسلم في الصحيح والترمذي وروى البيهقي والحاكم عن سلمان والبزار عن ابن عمر، يعني أن المؤمن وإن كان في نعيم فالدنيا بالنسبة إلى ما أعد له في الآخرة من الثواب سجن وسنة والكافر وإن كان في ضر وبلاء فالدنيا بالنسبة إلى ما أعد له في الآخرة من العذاب جنة والله أعلم.
فإذا قيل روى صاحب مسند الفردوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا والدنيا والآخرة حرام أهل الله " ما معنى ذلك قلت معناه عندي والله أعلم أن حب الدنيا حرام على أهل الآخرة يعني على المؤمنين لا الانتفاع بمتاع الدنيا حيث قال الله تعالى : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة " ٥ فمن ارتكب بحب الدنيا أضر بآخرته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى " رواه أحمد والحاكم في المستدرك بسند صحيح عن أبي موسى والآخرة يعني حظوظ الآخرة حرام على أهل الدنيا يعني من همه الدنيا لا غير يعني الكفار وفيهم قال الله تعالى :{ منهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ٦ والدنيا والآخرة يعني حبهما حرام على أهل الله وهم الذين امتلأ قلوبهم من حب الله تعالى لا تلتفت قلوبهم إلى شيء من الدنيا والآخرة غير الله سبحانه، روي أن رابعة البصرية أخذت في إحدى يديها ظرفا من ماء وفي الأخرى قطعة من نار فقيل لها أين تريدين قالت أريد أن أطفأ نار جهنم وأحرق الجنة كيلا يعبد الناس الله تعالى طمعا في الجنة ولا خوفا من النار بل خالصا لوجهه تعالى، قال المجدد للألف الثاني رضي الله عنه وكان هذا مبنيا على السكر منها بل لابد للمؤمن أن يطمع في الجنة لا لنفسها بل لكونها محلا لرحمة الله تعالى ويتعوذ من النار لكونها محلا بسخط الله تعالى ولا لحق العبد جائز لما ذكرنا وطلب المعاش جائز بل فريضة حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" طلب الحلال فريضة بعد الفريضة " رواه الطبراني والبيهقي عن ابن مسعود فما معنى الدنيا وحبها قلت معنى حب الدنيا إيثارها على الآخرة والانهماك في اكتسابها ولذاتها بحيث يغفل عن اكتساب الثواب واجتناب العذاب والحرص على جمع المال وطول الأمل وزعم الأغنياء خير من الفقراء وتعظيم الأغنياء فوق تعظيم الفقراء لأجل غناه لا لدفع مضرة أو مكافأة إحسان أو لغير ذلك من غرض مشروع أو أن يريد علوا في الأرض أو فسادا، وأما طلب المعاش وكسب الأموال من رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار { ٣٧ }٧ للإنفاق على نفسه حتى يتقوى على عبادة ربه وعلى عياله أداء لحقوقهم وللإنفاق في سبيل الله فليس بمكروه بل منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب ومنها ما هو مباح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيما رجل كسب مالا من حلال فأطعم نفسه أوكساها فمن دونه من خلق الله كان له به زكاة " رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد ولكن المسنون الإجمال في طلب الدنيا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أجملوا في طلب الدنيا فإن كلا ميسر لما خلق له " ٨ رواه ابن ماجه والحاكم.
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في هوان الدنيا على الله عز وجل (٢٣٢١). و أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب: مثل الدنيا (٤١١١)..
٣ أخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: مثل الدنيا (٤١١٢)..
٤ أخرجه مسلم في أول كتاب: الزهد و الرقائق (٢٩٥٦)، و أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر (٢٣٢٤)..
٥ سورة الأعراف، الآية: ٣٢..
٦ الآية هي: (فمن الناس من يقول). سورة البقرة، الآية: ٢٠٠..
٧ سورة النور، الآية: ٣٧..
٨ أخرجه ابن ماجه في كتاب: التجارات، باب: الاقتصاد في طلب المعيشة (٢١٤٢)، في الزوائد: في إسناده يزيد الرقاشي و الحسن بن محمد بن عثمان و إسماعيل بن مهرام..
التفسير المظهري
المظهري