وزُخرفاً أي : وجعلنا لهم زخرفاً، أي : زينةً من كل شيء. والزخرف : الذهب والزينة. ويجوز أن يكونَ الأصلُ : سقفاً من فضة وزخرف، أي : بعضها من فضة، وبعضها مِن ذهب، فنُصب عطفاً على محل " مِن فضة ".
وإِن كُلُّ ذلك لَمَّا متاعُ الحياةِ الدنيا أي : وما كل ما ذكر من البيوت الموصوفة بما ذكر من الزخارف الغرارة، إلا شيء يتمتع به في الحياة الدنيا، ثم يفنى وتبقى تبعته. والآخرةُ أي : ونعيم الآخرة الذي يقصر عنه البيان : خير عند ربك للمتقين الكفر والمعاصي. وبهذا يتبين أن العظيم إنما هو العظيم في الآخرة، لا في الدنيا، ولذلك لم يجعل للمؤمنين فيها حظاً وافراً ؛ لأنه تمتع قليل بالنسبة إلى ما لهم في الآخرة، ولأنه ربما يشغلهم عن ذكر الرحمان، كما أشار إليه بقوله : ومَن يَعْشُ. . . الخ.
رضيتُ من الدنيا بقُوتٍ وخرقةٍ *** وأشربُ من كوز حوافيه تُكْسَرُ
فقل لبني الدنيا : اعزلوا مَن أردتُم *** وولُّوا، وخلوني على البعد أنظرُ
الإشارة : في الآية ذم للدنيا ولمَن اشتغل بها. وفي الحديث :" لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي كافراً منها شربة ماء " ١. وعن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصيرٍ، فأثَّرَ الحصيرُ في جَنْبِه، فلما استيقظ، جعلتُ أمسح عنه، وأقول : يا رسول الله ؛ ألا آذنتني قبل أن تنام على هذه الحصير، فأبسط لك عليه شيئاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما لي وللدنيا، وما للدنيا وما لي، ما أنا والدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ في فيء، أو ظل شجرةٍ، ثم راح وتركها " ٢. ورُوي أن عيسى عليه السلام أخذ لبنة من طوب، فجعلها تحت رأسه، فجاءه جبريل عليه السلام، فوكز الطوية من تحت رأسه، ونزعها، وقال :" اترك هذه مع ما تركتَ ". وأنشدوا في هذا المعنى :
رضيتُ من الدنيا بقُوتٍ وخرقةٍ *** وأشربُ من كوز حوافيه تُكْسَرُ
فقل لبني الدنيا : اعزلوا مَن أردتُم *** وولُّوا، وخلوني على البعد أنظرُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي