غواية المشركين
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( ٣٦ ) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( ٣٧ ) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ( ٣٨ ) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ( ٣٩ ) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( ٤٠ ) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ( ٤١ ) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ( ٤٢ ) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( ٤٣ ) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ( ٤٤ ) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ ( ٤٥ )
سبب النزول :
أخرج ابن أبي حاتم أن قريشا قالت : قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد رجلا يأخذه، فقيضوا لأبي بكر طلحة بن عبيد الله، فأتاه وهو في القوم، فقال أبو بكر : إلام تدعوني ؟ قال : أدعوك إلى عبادة اللات والعزى، قال أبو بكر : وما اللات ؟ قال : ربنا، وقال : وما العزى ؟ قال : بنات الله، قال أبو بكر : فمن أمهم ؟ فسكت طلحة فلم يجبه، فقال طلحة لأصحابه : أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال طلحة : قم يا أبا بكر، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فأنزل الله هذه الآية : ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا فهو له قرين .
تمهيد :
تصور الآيات مشهدا عمليا لهؤلاء الكفار، الذين عميت قلوبهم عن رؤية نور الإسلام، وضعفت أبصارهم وبصائرهم عن الاهتداء بهدي القرآن، إن من سنة الله أن من يعرض عن الهدى ييسر الله له قرين سوء من شياطين الإنس أو الجن، يغريه بالباطل، ويزهده في الحق، ويوم القيامة يتبرأ الإنسان من شياطين الإنس والجن، ويتمنى أن يبتعد عنهم بعد المشرق عن المغرب، ثم تواسي الآيات الرسول الكريم، حتى لا يشتد حزنه على إعراض كفار قريش عن دعوة الإسلام، فتقول له : إن آذانهم صماء، وعيونهم عمياء، وأنت لا تسمع الصم، ولا تهدي العمي، ولا ترشد من غرق في الضلال الواضح، إن هذا القرآن شرف لك يا محمد ولأمتك، فهو حافل بالتوحيد والهداية، والأخلاق والتشريع، وسوف تسألون عن هذه النعمة العظمى، التي ساقها الله لكم فأعرض كفار مكة عنها.
التفسير :
٤٢- أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون .
وإذا نصرناك عليهم في حياتك، وتمكنت من نواصيهم، فإنا قادرون على ذلك.
قال تعالى : وما النصر إلا من عند الله... ( آل عمران : ١٢٦ ).
لقد نصر الله رسوله ومن معه من المؤمنين في غزوة بدر وغيرها، حتى فتحت مكة، ثم دانت شبه الجزيرة العربية للإسلام.
قال ابن كثير :
المعنى : لابد أن ننتقم منهم ونعاقبهم، في حياتك أو بعد وفاتك، ولم يقبض الله تعالى رسوله حتى أقرّ عينه من أعدائه، وحكمه في نواصيهم.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة