ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞ

ثم بين الطريق الموصل إلى هذا، وهو حسن الخلق مع كل مخلوق، فقال :
قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ .
قلت : يغفِروا قيل : جواب الأمر المذكور، أي : إن تقل يغفروا، وقيل لأمر محذوف، أي : قل لهم اغفروا يغفروا، وقيل : حذف لام الأمر، أي : ليغفروا، وقرأ أبو جعفر :( ليُجزي قوماً ) بالبناء للمفعول، ونصب ( قوماً ) إما على نيابة المصدر، أي : ليجزي الجزاء قوماً، أو ليجزي الخيرُ قوماً، فأضمر الخير ؛ لدلالة الكلام عليه، أو ناب الجار مع وجود المفعول به، وهو قليل.
يقول الحق جلّ جلاله : قل للذين آمنوا يغفِروا للذين لا يرجون أيامَ الله أي : يعفوا ويصفحوا عن الذين لا يتوقعون نِقَمه ووقائعه بأعدائه، من قولهم :" أيام العرب " لوقائعها، أو : لا يأمّلون الأوقات التي وقّتها الله تعالى لثواب المؤمنين، ووعدهم بالفوز فيها. قيل : نزلت قبل آية القتال ثم نُسخت، قال ابن عطية : ينبغي أن يقال : إن الأمور العظام، كالقتل والكفر مجاهدة ونحو ذلك، قد نَسخ غفرانَه آيةُ السيف والجزية، وإن الأمور الحقيرة، كالجفاءِ في القول ونحو ذلك، يحتمل أن تبقى مُحكمة، وأن يكون العفو عنها أقرب للتقوى. ه.
قيل : نزلت في عمر رضي الله عنه حين شتمه رجل من غفار، فهَمَّ أن يبطشَ به، فنزلت. وقيل : نزلت في ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في أذى شديد من المشركين، قبل أن يُؤمروا بالقتال، فشكَوْا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا تكون الآية مكية. وقال ابن عباس : لما نزل : مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [ البقرة : ٢٤٥ ] قال فنحاص : افتقر رَبُّ محمد، فلما بلغ ذلك عُمر، طلبه بالسيف ؛ ليقتله، فنزلت، فوضع السيف، وقال : والذي بعثك بالحق لا يُرى الغضب في وجهي. وقيل : في شأن أُبيّ ابن سلول، رأس المنافقين، لَمّا قال في غزوة المريسيع : ما مثلُنا ومثل هؤلاء - يعني المهاجرين - إلا كما قيل : سَمِّنْ كلبَك يأكلك، فبلغ ذلك عمر، فاشتمل السيف، يريد التوجه إليه، فنزلت. وعلى هذا تكون مدنية.
لِيَجزيَ قوماً بما كانوا يكسبون أي : إنما أُمروا أن يغفروا ليوفيهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة. وتنكير ( قوم ) مدح لهم، كأنه قيل : لِيَجزي قوماً - أيَّما قوم، أو قوماً مخصوصين - بالصبر بسبب ما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة، التي من جملتها الصبر على إذاية الكفار، والإغضاء عنهم، بكظم الغيظ، واحتمال المكروه، ما يقصر عنه البيان من الثواب العظيم، ويجوز أن يُراد بالقوم : الكفرة، وبما كانوا يكسبون : سيئاتهم، التي من جملتها ما كانوا يؤذون به المسلمين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : مذهب الصوفية : العفو عمن ظلمهم، والإحسان إلى مَن أساء إليهم ؛ لأنهم رحمة للعباد، ومقصدهم بذلك رضا الله، لأن الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله.
قال اللجائي رضي الله عنه في شمائل الخصوص : قصد السادات بالعفو عمن ظلمهم، ابتغاء مرضاة الله، لا ابتغاء الثواب، فإنه تعالى يحب العفو، وتسمَّى به. ومقصدهم بالعفو أيضاً : قطع العداوة والحِقد عن الظالم، وترك الانتصار منه، بيدٍ أو لسان، استعداداً منهم لسلامة الصدور. ومقصدهم أيضاً : زوال الذِّلة عن الظالم في موقف الحساب، من أجل ما يطالَبُ به من الحقوق، وهو ضرب من الشفقة على العبيد، وهو مقام محمود، فشأنهم رضا الله عنهم إذا حلّ بالعباد في الموقف بلاء، أرادوا أن يكونوا للخلق فداء، فهذا أدنى مقام في العفو. هـ.
وفي الحديث :" إذا جمع الله الخلائقَ يوم القيامة، نادى مناد : أين أهل الفضل، فيقوم ناس، وهم يَسير، فينطلقون إلى الجنة سِراعاً، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون : إنَّا نراكم سراعاً ؟ فيقولون : نحن أهل الفضل، فيقولون : ما فضلُكُم ؟ فيقولون : كنا إذا ظُلِمنا صَبَرْنا، وإذا جُهلَ علينا حَلُمنا، فيقال لهم : ادخلوا الجنة : فنعم أجر العاملين " ١.
قال القشيري بعد كلام : فمَن أراد أن يعرف كيف يحفظ أولياءَه، وكيف يُدمِّر أعداءَه، فليصبرْ على أيامٍ قلائل، ليعلم كيف صارت عواقبُهم، مَن عمل صالحاً فله مَهْناه، ومَن ارتكب سيئة قاسى بلواه، ثم مرجعه إلى مولاه. هـ.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير