ما كسبوه في الدنيا من المال والولد، ولا الأصنام التي اتخذوها آلهة وعبدوها من دون اللَّه.
٦- القرآن الكريم هدى للبشرية من الضلالة، ثم أكد تعالى وعيده للذين جحدوا دلائله بأن لهم عذابا هو أشد العذاب.
والخلاصة: إن اللَّه تعالى جعل مؤيدات جزائية صارمة وشديدة لكل من كفر بالقرآن، ولم يتفكر بآيات اللَّه ودلائله الدالة على وجوده ووحدانيته وقدرته، وذلك إنذار دائم شديد التأثير لكل من حاد عن منهج القرآن وعقيدة الإسلام.
من نعم اللَّه تعالى على عباده:
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١٢ الى ١٥]
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)
الإعراب:
مِنْهُ متعلق بحال، أي كائنة منه تعالى.
يَغْفِرُوا مجزوم، لأن تقديره: قل للذين آمنوا اغفروا يغفروا، وحقيقة جزمه بتقدير حرف شرط مقدر.
لِيَجْزِيَ قَوْماً أي ليجزي اللَّه، وهو فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وقَوْماً: مفعول به. وقرئ: «ليجزين» بفتح الياء وكسر الزاي، و «ليجزي» بضم الياء وفتح الزاي، و «لتجزي» بفتح التاء، ومن قرأ «ليجزي» بالبناء للمجهول، نصب قوما على تقدير: ليجزي الجزاء قوما، وهذا جائز على مذهب الأخفش والكوفيين، وغير جائز على مذهب البصريين، لأن المصدر لا يجوز إقامته مقام الفاعل مع مفعول صحيح. وقرئ: «لنجزي» بالنون على التعظيم.
البلاغة:
سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ.. إطناب لإظهار الامتنان.
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
سَخَّرَ هيأ وذلل الْفُلْكُ السفن بِأَمْرِهِ بإذنه وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ لتطلبوا بالتجارة والغوص والصيد وغيرها وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ هذه النعم وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ من شمس وقمر ونجوم وماء وغيره وَما فِي الْأَرْضِ من دابة وشجر ونبات وأنهار وغيرها، والمراد:
خلق ذلك لمنافعكم جَمِيعاً تأكيد مِنْهُ حال، أي سخرها كائنة منه تعالى يَتَفَكَّرُونَ في صنائعه.
يَغْفِرُوا يعفوا ويصفحوا، وقد حذف المقول لدلالة الجواب عليه، والمعنى: قل لهم:
اغفروا للكفار أذاهم لكم يغفروا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لا يخافون وقائعه بأعدائه، يقال:
أيام العرب، أي وقائعهم لِيَجْزِيَ أي اللَّه قَوْماً هم المؤمنون بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من المغفرة للكفار أذاهم، أو الإساءة.
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها أي لها ثواب العمل، وعليها عقابه، والمراد:
فلنفسه عمل، وعليها أساء ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ تصيرون، فيجازيكم على أعمالكم، يجازي المصلح والمسيء.
سبب النزول:
نزول الآية (١٤) :
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا: ذكر الواحدي النيسابوري والقشيري عن ابن عباس: أن الآية نزلت في عمر بن الخطاب وعبد اللَّه بن أبيّ وجماعتهما، وذلك أنهم نزلوا في غزاة بني المصطلق على بئر يقال لها: المريسيع، فأرسل عبد اللَّه غلامه ليستقي الماء، فأبطأ عليه، فلما أتاه قال: ما حبسك؟ قال:
غلام عمر قعد على قفّ- فم- البئر، فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه، فقال عبد اللَّه: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل:
سمّن كلبك يأكلك، فبلغ عمر رضي اللَّه عنه، فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا...
وذكر الواحدي والثعالبي عن ابن عباس وميمون بن مهران سببا آخر قال: لما نزلت هذه الآية: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً قال يهودي بالمدينة يقال له: فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد، فلما سمع عمر بذلك اشتمل على سيفه وخرج في طلبه، فجاء جبريل عليه الإسلام إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فقال: إن ربك يقول: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ. فبعث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في طلب عمر، فلما جاء قال: يا عمر ضع سيفك، قال: صدقت يا رسول اللَّه، أشهد أنك أرسلت بالحق، ثم تلا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم الآية، فقال عمر: لا جرم- حقا- والذي بعثك بالحق، ولا يرى الغضب في وجهي «١».
المناسبة:
بعد إيراد أدلة وجود اللَّه ووحدانيته، أورد اللَّه تعالى بعض نعمه الدالة أيضا على قدرته وهي تسخير السفن في البحار لحمل التجارات والركاب، وتسخير ما في السموات والأرض، ثم أمر المؤمنين بالعفو عن الكفار، وأبان أن جزاء العمل الصالح والسيء يعود على نفس العامل خيرا أو شرا.
التفسير والبيان:
يذكر اللَّه تعالى نعمه على عباده وهي:
١- اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي إن اللَّه الذي ثبت لكم وجوده ووحدانيته بالأدلة السابقة هو الذي ذلل لكم البحر لجريان السفن فيه بإذنه، والاتجار بين الأقطار، والغوص للدرّ، وصيد الأسماك وغير ذلك، أي للمتاجر والمكاسب، ولتشكروا نعم اللَّه الحاصلة لكم بسبب هذا التسخير، ومنافعه المجلوبة لكم من البلاد النائية.
وتسخير البحر بثلاثة أشياء: هي أولا- الرياح المساعدة على مسيرة السفن في الماضي وثانيا- قدرة تحمل الماء لآلاف الاطنان بل أكثر من خمس مائة الف طن، وثالثا- وجعل الخشب طافيا على وجه الماء دون غوص فيه.
٢- وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي وذلل لكم أيضا جميع ما في السموات من كواكب وغيرها، وجميع ما في الأرض من جبال وبحار وأنهار ورياح وأمطار ومنافع أخرى فضلا منه ورحمة، إن في ذلك التسخير لدلائل واضحة على قدرة اللَّه وتوحيده، لقوم يتفكرون فيها ويستدلون بها على التوحيد.
وهذا كقوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ، فَإِلَيْهِ
تَجْئَرُونَ
[النحل ١٦/ ٥٣].
وبعد بيان أدلة التوحيد والقدرة الإلهية أمر اللَّه تعالى بمحاسن الأخلاق، فقال:
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ، لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي قل أيها النبي للمؤمنين المصدقين بالله ورسوله: اعفوا واصفحوا وتحملوا أذى هؤلاء المشركين الذين لا يخافون وقائع اللَّه وأنواع عذابه، ليجزي اللَّه أولئك المؤمنين بما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة التي منها الصبر على أذى الكفار وكظم الغيظ واحتمال المكروه. وتنكير قَوْماً لتعظيم شأن المؤمنين المذكورين في قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا. وقوله: لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ معناه: لا يخشون مثل عذاب الأمم الخالية.
ثم أوضح اللَّه تعالى أن الإحسان والإساءة يعودان على المحسن والمسيء، فقال مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ أي من عمل الأعمال الصالحة التي أمر اللَّه بها وانتهى عما نهى عنه، فلنفسه عمل، ومن اقترف السيئات والمعاصي، فعلى نفسه جنى، ثم تعودون إلى اللَّه يوم القيامة، فتعرضون بأعمالكم عليه، فيجزيكم عليها خيرها وشرها.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- امتن اللَّه تعالى على عباده بما أنعم عليهم من تسخير البحر لجريان السفن فيه بإذنه ومشيئته، ولتحقيق المكاسب ومنافع المتاجر، والغوص على اللؤلؤ والمرجان، واصطياد الأسماك، لكي يشكروه على نعمه.
٢- وكذلك امتن اللَّه تعالى على العباد بتسخير جميع ما في السموات وما في
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي