قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ ( ١٤ ) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( ١٥ ) [ ١٤ – ١٥ ].
أيام الله : القصد منها بلاء الله وعذابه. وكلمة الأيام كانت تستعمل عند العرب كناية عن أيام الحروب، وجملة أيام العرب تعني حروبهم، وقيل : إن الجملة تشمل نعم الله ونقمه معا، وإن معناها لا يبالون بما يقال بأن النعم والنقم من الله.
١- أمر رباني للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول للمؤمنين إنه يحسن بهم أن يكظموا غيظهم إزاء الكفار الذين يتجاهلون بطش الله وانتقامه ولا يتوقعونهما ويصدون فيما يفعلونه عن ذلك، وأن يتسامحوا ويغضوا عما يأتونه من أفعال ويقفونه من موقف نتيجة له.
٢- وتقرير بأن الذي يعمل العمل الصالح إنما يعمله لنفسه، والذي يعمل السيء إنما يتحمل هو تبعته. وبأن مرد الناس جميعهم إلى الله حيث يجزي كل منهم بما عمل.
والآية الثانية تعقيب على الأولى وتدعيم وتعليل لما احتوته من الأمر بالكظم والغفران كما هو المتبادر. وهي من الآيات الصريحة الحاسمة والمحكمة بأهلية الإنسان للعمل الصالح والسيء بما أودعه الله فيه من إرادة وقابلية باستحقاقه الجزاء وفاقا لكسبه واختياره.
تعليق على آية
قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللهِ
وقد روى المصحف الذي اعتمدناه أن الآية [ ١٤ ] مدنية، وروى بعض المفسرين أنها نزلت في مناسبة شتم أحد المشركين لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في مكة وتفكير هذا بمقابلته والتنكيل به. كما روى بعضهم أنها نزلت في المؤمنين الذين رأوا ازدياد المشركين عليهم في مكة فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمقابلة١. والروايتان تنقضان رواية مدنية الآية. ويلاحظ من ناحية ثانية أن الآيتين منسجمتان، وأن الثانية متممة للأولى، وأن مضمون الآيتين متسق مع ما احتوته آيات مكية عديدة من الحث والصفح والصبر ؛ لذلك فنحن نشك في مدنية الآية، بل نجزم بعدم صحة رواية ذلك. أما ما ذكرته الروايتان من مناسبة النزول فقد يكون صحيحا ؛ حيث إنه من الممكن أن يكون عمر بن الخطاب أو غيره قد أنفوا من تحمل شتيمة الكفار وأذاهم فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمقابلة فاقتضت حكمة الله تهدئتهم، غير أن الذي يتبادر لنا أن الآيتين غير منقطعتين عن السياق السابق، وأنهما في صدد موقف الكفار من آيات الله وسخريتهم وعنادهم. ونميل إلى القول إن بعض المسلمين قد تساءلوا عن حكمة الله في الصبر عليهم أو قد فكروا في الجنوح إلى مجادلة الكفار أو الرد عليهم بشيء من العنف، فاقتضت حكمة التنزيل تهدئتهم والأمر بترك الأمر لله تعالى. وفحوى الآيات السابقة مما يقوي هذا التوجيه حيث احتوت صورة شديدة لموقف الكفار.
وحكمة أمر الله ظاهرة سواء أكان الأمر بعدم المقابلة على الأذى والشتيمة أم بعدم العنف في الجدل والدعوة. فبالنسبة للأمر الأول فقد كان المسلمون قلة ضئيلة وكان خصومهم أشد قوة ومالا وعددا فلو سمح لهم بالمقابلة لتطور الأمر وهيئ للكفار فرصة لضربهم ضربة ساحقة قد يكون لها على الدعوة أسوأ العواقب، وبالنسبة للأمر الثاني فالأوامر القرآنية المكية ظلت تتوالى – قد مر من ذلك أمثلة كثيرة – بوجوب الاكتفاء بالإنذار والتبشير والترغيب والترهيب والتذكير والتنديد والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والعنف في الدعوة أو الدفاع عنها مخالف لذلك.
ولقد قال المفسرون : إن هذه الآية نسخت بآيات القتال المدنية، وقال الطبري : إن هذا مجمع عليه عند أهل التأويل. ولقد قيل هذا في كل أمر في الآيات المكية بالإغضاء والصفح والصبر في القرآن المكي. وفي القول وجاهة إذا قيد بما احتوته آيات القتال المدنية من شروط وحدود مثل مقاتلة المعتدين على المسلمين والناكثين بعهودهم معهم والطاعنين في الدين الإسلامي والصادين عنه بالقوة والفتنة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة ( الكافرون ). ومع ذلك فإن الآية الأولى تظل على ما يتبادر لنا مستمد تلقين للمسلمين غير المستحبة وفي الظروف التي تتحمل ذلك، ولا يترتب عليه ذل أو صد أو استمرار في الأذى والعدوان. ولا يتناقض هذا مع الآيات المدنية التي فيها تنظيم لعلاقة المسلمين بغير المسلمين على ما سوف نشرحه في مناسباته
في الآيتين :
١- أمر رباني للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول للمؤمنين إنه يحسن بهم أن يكظموا غيظهم إزاء الكفار الذين يتجاهلون بطش الله وانتقامه ولا يتوقعونهما ويصدون فيما يفعلونه عن ذلك، وأن يتسامحوا ويغضوا عما يأتونه من أفعال ويقفونه من موقف نتيجة له.
٢- وتقرير بأن الذي يعمل العمل الصالح إنما يعمله لنفسه، والذي يعمل السيء إنما يتحمل هو تبعته. وبأن مرد الناس جميعهم إلى الله حيث يجزي كل منهم بما عمل.
والآية الثانية تعقيب على الأولى وتدعيم وتعليل لما احتوته من الأمر بالكظم والغفران كما هو المتبادر. وهي من الآيات الصريحة الحاسمة والمحكمة بأهلية الإنسان للعمل الصالح والسيء بما أودعه الله فيه من إرادة وقابلية باستحقاقه الجزاء وفاقا لكسبه واختياره.
تعليق على آية
قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللهِ
وقد روى المصحف الذي اعتمدناه أن الآية [ ١٤ ] مدنية، وروى بعض المفسرين أنها نزلت في مناسبة شتم أحد المشركين لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في مكة وتفكير هذا بمقابلته والتنكيل به. كما روى بعضهم أنها نزلت في المؤمنين الذين رأوا ازدياد المشركين عليهم في مكة فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمقابلة١. والروايتان تنقضان رواية مدنية الآية. ويلاحظ من ناحية ثانية أن الآيتين منسجمتان، وأن الثانية متممة للأولى، وأن مضمون الآيتين متسق مع ما احتوته آيات مكية عديدة من الحث والصفح والصبر ؛ لذلك فنحن نشك في مدنية الآية، بل نجزم بعدم صحة رواية ذلك. أما ما ذكرته الروايتان من مناسبة النزول فقد يكون صحيحا ؛ حيث إنه من الممكن أن يكون عمر بن الخطاب أو غيره قد أنفوا من تحمل شتيمة الكفار وأذاهم فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمقابلة فاقتضت حكمة الله تهدئتهم، غير أن الذي يتبادر لنا أن الآيتين غير منقطعتين عن السياق السابق، وأنهما في صدد موقف الكفار من آيات الله وسخريتهم وعنادهم. ونميل إلى القول إن بعض المسلمين قد تساءلوا عن حكمة الله في الصبر عليهم أو قد فكروا في الجنوح إلى مجادلة الكفار أو الرد عليهم بشيء من العنف، فاقتضت حكمة التنزيل تهدئتهم والأمر بترك الأمر لله تعالى. وفحوى الآيات السابقة مما يقوي هذا التوجيه حيث احتوت صورة شديدة لموقف الكفار.
وحكمة أمر الله ظاهرة سواء أكان الأمر بعدم المقابلة على الأذى والشتيمة أم بعدم العنف في الجدل والدعوة. فبالنسبة للأمر الأول فقد كان المسلمون قلة ضئيلة وكان خصومهم أشد قوة ومالا وعددا فلو سمح لهم بالمقابلة لتطور الأمر وهيئ للكفار فرصة لضربهم ضربة ساحقة قد يكون لها على الدعوة أسوأ العواقب، وبالنسبة للأمر الثاني فالأوامر القرآنية المكية ظلت تتوالى – قد مر من ذلك أمثلة كثيرة – بوجوب الاكتفاء بالإنذار والتبشير والترغيب والترهيب والتذكير والتنديد والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والعنف في الدعوة أو الدفاع عنها مخالف لذلك.
ولقد قال المفسرون : إن هذه الآية نسخت بآيات القتال المدنية، وقال الطبري : إن هذا مجمع عليه عند أهل التأويل. ولقد قيل هذا في كل أمر في الآيات المكية بالإغضاء والصفح والصبر في القرآن المكي. وفي القول وجاهة إذا قيد بما احتوته آيات القتال المدنية من شروط وحدود مثل مقاتلة المعتدين على المسلمين والناكثين بعهودهم معهم والطاعنين في الدين الإسلامي والصادين عنه بالقوة والفتنة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة ( الكافرون ). ومع ذلك فإن الآية الأولى تظل على ما يتبادر لنا مستمد تلقين للمسلمين غير المستحبة وفي الظروف التي تتحمل ذلك، ولا يترتب عليه ذل أو صد أو استمرار في الأذى والعدوان. ولا يتناقض هذا مع الآيات المدنية التي فيها تنظيم لعلاقة المسلمين بغير المسلمين على ما سوف نشرحه في مناسباته
التفسير الحديث
دروزة