يتوجه الخطاب الإلهي في مطلع هذا الربع إلى الرسول عليه السلام ليرشد السابقين من المؤمنين، الذين يتحملون معه بمكة صنوف الإذايات، وضروب الإساءات من طرف المشركين، إلى ضرورة الصبر على أذاهم، والإغضاء عن إساءتهم، ذلك أن هؤلاء المشركين الضالين جديرون في هذه المرحلة التمهيدية بالإهمال والرثاء، أكثر مما هم جديرون بالمؤاخذة والجزاء، فهم لا يزالون عمي البصائر، ضعفاء العقول، فاقدين لقوة التمييز بين الحق والباطل، محرومين من نور الإيمان، شاكين في ( أيام الله )، التي لا ريب فيها ولا شك، فالأولى عدم الرد على أذاهم بمثله، وعدم التسابق معهم في مجال الإساءات والمضايقات. وفي الموقف الذي يقفه المؤمنون من أذى المشركين، مساعدة لهؤلاء الحيارى على إدراك التأثير الروحي العميق، الذي أحدثه الإسلام في معتنقيه، وعلى مقارنة التهذيب الإسلامي والأخلاق الإسلامية السمحة، بما هم عليه من أخلاق ( الجاهلية الأولى ) وتقاليدها الصبيانية والعدوانية.
يضاف إلى ذلك أن صبر المسلمين على أذى مشركي مكة يحسب لهم عند الله من الأعمال الصالحة، التي يجزون عليها الجزاء الحسن، كما أن أذى المشركين للمؤمنين سيضاعف لهم -إن لم يؤمنوا ويتوبوا- الجزاء السيء عندما يحل موعد الجزاء، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله، ليجزي قوما بما كانوا يكسبون( ١٤ ) .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري